دروس في أصول فقه الإمامية - الفضلي، الشيخ عبد الهادي - الصفحة ٤٤٢
الذهن، وهذا هو العامل الكمي لتركيز الاقتران، أو نتيجة ملابسات اكتنفت الاقتران ولو دفعة واحدة جعلته لا ينمحي عن الذهن، وهذا هو العامل الكيفي. والإنسان تحدث إستجاباته الذهنية وفق هذه القوانين الثلاثة، فإذا أطلق شخص مثلا صوتا مشابها لزئير الأسد انتقل إلى الذهن تصور ذلك الصوت نتيجة الإحساس السمعي به وهو تطبيق للقانون الأول، ثم ينتقل الذهن من ذلك إلى تصور الزئير نتيجة المشابهة بينهما وهذا تطبيق للقانون الثانوي الأول، ثم ينتقل من ذلك إلى صورة الأسد نفسه الملازم خارجا مع صوته وهذا تطبيق للقانون الثانوي الثاني. وقد حاول الإنسان أن يستفيد من القانونين التكوينيين الثانويين في مقام التعبير عن مقصوده ونقله إلى ذهن مخاطبه، فاعتمد على القانون الثانوي الأول في استخدام الإشارات التعبيرية والتصويرية التي تنقل المعاني إلى الذهن على أساس التشابه، ولما كان قد اعتاد أن ينتقل من الأصوات إلى أسبابها وأشكال مناشئها على أساس الاقتران الخارجي فقد اتجه إلى توسيع نطاق الاستفادة من الأصوات واستخدامها في مجال تفهيم الآخرين أيضا باستخدام القانون الثانوي الثاني عن طريق جعل لفظ أو صوت مخصوص مقترنا ومشروطا بمعنى مخصوص اقترانا أكيدا ناشئا من التكرار أو نتيجة عامل كيفي معين وبذلك نشأت العلقة الوضعية، أعني السببية والاستتباع بين ذلك الصوت المخصوص والمعنى المخصوص. وهكذا تولدت ظاهرة اللغة في حياة الإنسان وبدأت تتكامل وتتوسع من صيغ بدائية محدودة إلى صيغ متكاملة أكثر شمولا واستيعابا للألفاظ والمعاني. هذا هو حقيقة الوضع، فالواضع بحسب الحقيقة يمارس عملية الأقران بين اللفظ والمعنى بشكل أكيد بالغ، وهذا الاقتران البالغ إذا كان على أساس العامل الكمي - كثرة التكرار - سمي بالوضع التعيني وإذا كان على أساس العامل الكيفي