دروس في أصول فقه الإمامية - الفضلي، الشيخ عبد الهادي - الصفحة ٤٢٩
ومن هنا وقع الاختلاف في تعيين ظهورات الألفاظ وتحديد معانيها [١]. ولنأخذ مثالا لذلك قولنا: (اتخذ من هذا الرغيف عشاء لك) فالذي يستظهر من هذه الجملة أو هذا الكلام هو أن للمخاطب أن يأكل الرغيف كله، وله أن يتناول منه كفايته، أي بعضه. وبلغة نحوية: أن (من) - حرف الجر - المذكور في الجملة قد يكون زائدا ويصبح المعنى (اتخذ هذا الرغيف عشاء لك)، وقد يكون تبعيضيا ويكون المعنى (اتخذ بعض الرغيف عشاء لك). ولكن الموقف يختلف في تعاملنا مع الآية الكريمة * (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) * فإن اريد من الصلاة التي تؤدي في مقام إبراهيم الدعاء فالمقام يتسع لأن يكون مقام دعاء، وإن اريد من الصلاة ذات القيام والركوع والسجود والجلوس فالمقام لا يتسع لها، فلا تأتي (من) - هنا - زائدة بحيث يكون المعنى * (واتخذوا مقام إبراهيم مصلى) *، ولا تبعيضية لعدم اتساع المقام بكامله للصلاة فكيف ببعضه. إذن، لابد من أن نلتمس لها معنى آخر، وهو العندية - كما يقول الفقهاء - أي صلوا عند مقام إبراهيم. ثم أن العندية، هل يقتصر فيها على الخلفية المباشرة للمقام، أو تمتد بامتداد المسجد.. وهكذا. كل هذه الاختلافات ترينا أن المعنى هو الفكرة (المفهوم الذهني)، الذي يتأثر - عند محاولة فهمه - بذكاء الشخص وانتباهه، وما يمتلك من خلفيات ثقافية، وبحدود نظرته لماجريات الحياة. يقول الدكتور السعران في كتابه (علم اللغة [٢]):
[١] - م. ن.
[٢] - علم اللغة ٢٦٩ - ٢٧٠. (*)