دروس في أصول فقه الإمامية - الفضلي، الشيخ عبد الهادي - الصفحة ٢٢٩
اليقين بالمقدمات الكلية الضرورية التي هي مبادئ العلوم، وذلك مثل علمنا أن الكل أعظم من جزئه، وان المقادير المساوية لمقدار واحد متساوية، وأشباه هذه المقدمات. وهذه هي التي منها نبتدئ فنصير إلى علم سائر الموجودات النظرية التي شأنها أن تكون موجودة، لا بصنع الإنسان. وهذا العقل قد يكون بالقوة عندما لا تكون هذه الأوائل حاصلة له، فإذا حصلت له صار عقلا بالفعل، وقوي استعداده لاستنباط ما بقي. وهذه القوة لا يمكن أن يقع لها خطأ في ما يحصل لها، بل جميع ما يقع لها من العلوم صادق يقيني لا يمكن غيره " [١]. والعقل النظري بهذا المعنى هو إدراك الامور البديهية فقط. أما " العقل العملي فهو قوة بها يحصل للإنسان عن كثرة تجارب الامور، وعن طول مشاهدة الأشياء المحسوسة، مقدمات يمكن بها الوقوف على ما ينبغي أن يؤثر أو يجتنب شئ من الامور التي فعلها إلينا. وهذه المقدمات بعضها تصير كلية ينطوي تحت كل واحدة منها أمر، ما ينبغي أن يؤثر أو يجتنب، وبعضها مفردات وجزئية تستعمل مثالات لما يريد الإنسان أن يقف عليه من الامور التي لم يشاهدها. وهذا العقل إنما يكون عقلا بالقوة ما دامت التجربة لم تحصل، فإذا حصلت التجارب وحفظت، صار عقلا بالفعل. ويتزيد هذا العقل الذي بالفعل بازدياد وجود التجارب في كل سن من أسنان
[١] - الفارابي: نصوص متنزعة من ٥٠ - ٥١، بيروت سنة ١٩٧١. (*)