رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان - جون لويس بوركهارت - الصفحة ٥٣ - الرحلة على ضفاف النيل من أسوان إلى المحسّ على حدود دنقلة
قائلا إنه ما دام قد حظر على السفر إلى ما بعد سكوت فلم تعد لى بها حاجة. ذلك لم يصدق محمد قصتى ، وقال لى كاتبه العربى «إنك من جواسيس محمد على ، ولكنا هنا فى المحبس نبصق على لحيته ونقطع رأس كل عدو للمماليك». فأكدت له أننى لست عدوا للماليك ، وأننى زرت الأميرين المملوكين بالدر ، وأنهما استقبلانى بمنتهى اللطف. وهكذا انقضت العشية بين أسئلة حادة من طرف ، وإجابات رواغة من الطرف الآخر. وظل كاشف ساهرا مع أخص أصحابه يتشاورون فيما يصنعون بى ، وأنا منتظر ببعيرى تحت سقيفة وراء كوخه. ولم يدر بخلد واحد منهم أننى أوربى. ولم أعلن أنا بالطبع عن هويتى مباهيا أو فخورا ، فقد كنت عازما على عدم الكشف عنها إلا إذا أحدق بى خطر داهم. وفى الليل أوفد رسول إلى حسين كاشف ، فعبر النهر إليه ليستشيره فى أمرى.
١٤ مارس ـ فى الصباح الباكر أقبل حسين كاشف فى نفر من أصحابه ليزور أخاه ويلقى على نظرة. وأعيدت على مسمعى الأسئلة التى سمعتها فى الليلة الماضية ، وأجبت عنها بالإجابات عينها ، ولكن حسينا كان أرق من أخيه معى كان محمد يهدد بإرسال رأسى إلى ابراهيم بك زعيم المماليك ، أما حسين فقد اكتفى بالإذن لى بالإياب ، راجيا منى أن أترك له بعيرىّ وبندقيتى. أما غدارتاى فقد كنت خبأتهما تحت زعبوطى. وأخيرا صارحت الأخوين بأنه لو أصابنى سوء لكان هذا وبالا على تجارتهما بإسنا ، وأنهما إذا شاءا التحقق من صدق روايتى فما عليهما إلا أن يرسلا للدر ، وأننى حتى لو كنت جاسوسا لمحمد على كما يزعمان ، لما رضى الباشا أن يقتل أحد رجاله غيلة دون أن يثأر له. أما وأننى لست إلا سائحا ، فلا عذر لهما ألبتة فى حجزى أو الإساءة إلى شخصى. وبعد لأى استطعت بهذه الحجج ونحوها أن أقنع الأخوين بعض الإقناع ، ولكنى فى شك كبير مما كان ينتظرنى على يديهما آخر الأمر لو لا أن قيض الله لى شخصين من أبناء أخى حاكم سكوت ، قدما فى زيارة لقريبهما ، فأمنا على ما قلت ، لأنهما كانا قد رأيا التوصية القوية التى كنت أحملها من حسن كاشف لعمهما داود كرا. وهنا تغير أسلوب الأخوين فى الحديث إلىّ ، ولكنى بقيت برغم ذلك موضع ريبة وتوجس شديدين