رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان - جون لويس بوركهارت - الصفحة ٤٧ - الرحلة على ضفاف النيل من أسوان إلى المحسّ على حدود دنقلة
يسكن فى أقصى الجنوب. وألح علينا فى البقاء عنده الليل كله ، ولما كنت أعلم أنه لا يرمى من وراء ذلك إلا لابتزاز هدية منى ، فقد نفحته بقطعة صابون كبيرة ، فسمح لنا بالرحيل. والطريق إلى صاى يتجه غربا بجنوب ، وبعد ساعتين بلغنا مكركة ، وبعد أربع ساعات كنيسة. ولا يزرع من السهل هنا إلا أقله ، وتكثر السنامكى الجيدة ، ولكنها لا تبلغ جودة السنا التى تنمو فى الجبل الشرقى. ويجمعها عرب القراريش كلما اشتد عليها الطلب فى إسنا [١]. وحدود النهر الغربية رملية مقفرة. وبعد خمس ساعات وصلنا الشيخ مجدرة وهو نجع مبنى حول ضريح ولىّ. وفى هذا المكان كغيره من بلاد النوبة يجد المسافر الظمآن ، على مسافات متقاربة ، أزيارا من الماء على جانب الطريق تحت سقيفة منخفضة ، وتدفع كل قرية راتبا شهريا صغيرا لشخص يملأ هذه الأزيار صباح ومساء. وهى شائعة فى صعيد مصر ، ولكن على نطاق واسع ، وكثيرا ما يجد المرء إلى جوار البئر خانا صغيرا يزود المسافر بالماء [٢]. وبعد خمس ساعات ونصف بلغنا عمارة وهى نهاية إقليم سلكوت ، ويبدأ جنوبيها إقليم صاى.
وفى سهل عمارة أطلال معبد مصرى جميل ، تخلفت منه أبدان أعمدة ستة كبيرة من أعمدة البهو مصنوعة من الحجر الجيرى ، وهى الوحيدة التى رأيتها من نوعها ، فكل المعابد المصرية هنا مبنى بالحجر الرملى. ونقوش هذه الأعمدة تقليد لنقوش فيلة ، وصناعتها متوسطة الجودة ، ولكنها أفضل كثيرا من
[١] يحتكر المسيو روزتى تجارة السنامكى منذ سنوات كثيرة ، وله فى إسنا وأسوان عملاء. ولما كان محمد على قد أجر بالالتزام كل السلع التجارية تقريبا ، الأجنبية منها والوطنية ، فقد دفع المسيو روزتى عن احتكاره السنامكى ١٥٠ كيسا فى السنة ، أعنى نحو ٣٥٠٠ جنيه (انجليزى).
[٢] ذكرت أن مياه الآبار فى الصعيد من أردأ أنواع المياه مع أن الآبار محفورة قرب النهر ، وهو الذى يمدها من غير شك بالماء الذى يتسرب فى جوف الأرض بعد الفيضان ويتجمع على عمق يتراوح بين عشرين قدما وثلاثين.