رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان - جون لويس بوركهارت - الصفحة ١٨٣ - الرحلة من صعيد مصر إلى بربر وسواكن عبر صحارى النوبة ومن ثم إلى جدّة ببلاد العرب (فى سنة ١٨١٤)
فإذا جاء الصيف وجف العشب وعز الكلأ فى الجبل علفت فى البيوت بسيقان الذرة الجافة وأوراقها. وأبقار الرعاة وإبلهم هى عماد ثروتهم ، ويملكون فضلا عنها الغنم والماعز ، ولكن أكثره استهلك فى أثناء المجاعة. وأبقارهم متوسطة الحجم ضعيفة الجسم ، ولها قرون صغيرة وسنام من الشحم قرب الكتف. ولا تعرف هذه الفصيلة فى مصر ، وهى تبدأ فى دنقلة ولا ترى غيرها على ضفاف النيل حتى تبلغ سنار. وهذا السنام بعينه تلحظه فى الأبقار المرسومة فى صور المعارك الحربية على المعابد القديمة بصعيد مصر ، وقد رأيت هذه الفصيلة نفسها فى الحجاز. وهم يربون البقر للبنه ، وأهم من لبنه عندهم لحمه ، وقليل منه يستخدم لإدارة السواقى.
أما إبلهم فمن أنجب الفصائل ، بل إنها لتفضل إبل الصعيد المشهورة صلابة واحتمالا. وهجنهم تفوق ما رأيت فى صحارى الشام وبلاد العرب. ولإبلهم وبر قصير جدا ، وجسمها خلو من الخصل. ولا تختلف الهجن عن إبل الحمل فصيلة ، ولكن القوم هنا أحرص الناس على نقاء السلالة ، وإن العربى منهم ليتجشم السفر أياما كثيرة فى سبيل الوصول إلى بكر أصيل معروف يغشى ناقته. وقد تكاثر اليوم الطلب على الإبل للسوق المصرية ، ويبتاعها الباشا ليرسلها إلى شبه جزيرة العرب لتنقل ذخيرة الجيش ، ويسوقون منها كل شهر عبر الصحراء ثلاثمائة أو أربعمائة. ومع ذلك فثمن الجمل هنا لا يزيد على ثمانية ريالات إلى اثنى عشر ، وإن كان يباع فى دراو بثلاثين أو أربعين ، وفى القاهرة بخمسين أو ستين.
وأغنام هذه الأقطار الجنوبية لا صوف لها ، ولا يكسوها إلا شعر رقيق قصير كشعر الماعز ، لذلك لا يرى القوم لها نفعا يذكر ولا يربونها إلا للحومها. أما الحمير فتقتنى كل أسرة تقريبا منها اثنين ، وهى من فصيلة قوية ، وأهم ما تستخدم فيه حمل المحصول من الغيط ونقل السبخة من الجبل. وينشر الأهالى هذا الثرى المحتوى على النترات على الأرض قبل أن يزرعوها ، ولم أعرف غرضهم من ذلك ، أهو تسميد الأرض أم التخفيف من خصبها الشديد. والطلب كثير على الحمير المصرية لأنها أسرع من النوبية عدوا ، ويركبها وجوه القوم ، ويقبلون