رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان - جون لويس بوركهارت - الصفحة ١٨٢ - الرحلة من صعيد مصر إلى بربر وسواكن عبر صحارى النوبة ومن ثم إلى جدّة ببلاد العرب (فى سنة ١٨١٤)
أهل بربر فإذا صحّ هذا فإن آثارها هنا ليست وبيلة كآثارها فى مصر ، لأننى لم أر بينهم ما رأيت فى شمال وادى النيل من وجوه مقروحة وأنوف شائهة.
وعرب الميرفاب رعاة زراع ، إذا انحسر الفيضان زرعوا الأرض ذرة وقليلا من الشعير. وقبل أن يزرعوها يعزقونها بالفئوس ، أما المحراث فلا يستعملونه ، وقد استعمل مصرى محراثا للمرة الأولى فى العام الماضى. وسواقيهم تعدّ على الأصابع ، فليس فى قريتى النخيرة والحصا أكثر من أربع أو خمس منها. ويزرعون الأرض مرة فى السنة ، ولا يغمر ماء الفيضان الكثير من الأرض الزراعية لأن ضفاف النيل تصل إلى ارتفاع كبير يجاوز ارتفاعها فى مصر على العموم ، ولا يعوض القوم فى الغالب هنا العجز بالرى الصناعى كما يفعل أهل مصر حتى يأخذوا من الأرض عدة محاصيل ، ومن هذا يسهل على القارىء أن يدرك السر فى كثرة تعرضهم للقحط ، فقد بلغ سعر مدّ الذرة فى العام السابق لرحلتى نصف ريال إسبانى. على أنه يلوح أن البلاد كانت إلى عهد غير بعيد أزهى حضارة منها اليوم ، فقد تبينت فى الحقول آثار ترع عميقة تركت مهملة مع أنه قد يستعان بها حتى فى زرع السهل الصحراوى المجاور للأرض الزراعية. وأهم المحاصيل الذرة ، وهى قوام غذاء الناس والبهائم ، أما القمح فلا يزرع فى بربر ، وقليل منه يزرع فيما جاورها من بلاد. والذرة هنا من فصيلة الذرة الصعيدية ، ولكن سيقانها أطول وأقوى ، وقد تعلو ست عشرة قدما أو عشرين. أما الخضر فلا يزرعون منها سوى البصل واللوبيا والبامية [١] والملوخية ، وكلها معروف فى مصر. وهم لا يزرعون من الفاكهة شيئا ، والنبق البرى هو الفاكهة الوحيدة التى يعرفونها فيما رووه لى.
ويربى أهل بربر الماشية الكثيرة من خير الفصائل ، وينتجعون بها الكلا الذى ينمو فى جبال البشاريين شتاء وربيعا عقب هطول المطر ، وهناك يعيش رعاتها فى أكواخ وخيام كالبدو سواء بسواء. وفى أخريات الربيع تأكل الماشية الأعشاب البرية التى تنمو بين أعقاب الذرة غزيرة كأنها الحشيش فى المروج.
(*) واسمها الويكه فى هذه البلاد كلها.