رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان - جون لويس بوركهارت - الصفحة ١٥١ - الرحلة من صعيد مصر إلى بربر وسواكن عبر صحارى النوبة ومن ثم إلى جدّة ببلاد العرب (فى سنة ١٨١٤)
ساعتين من بعده مخترقين سلسلة من الجبال صخورها من الحجر الأخضر. وبعد ست ساعات وصلنا وادى الطواشى ، وهو منسوب لأحد هؤلاء الخصيان من سدنة الكعبة الشريفة ، وقد قتل هنا وسرقت منه العطايا التى منحها إياه ملوك دارفور وسنار [١]. ولم أستطع أن أعلم على التحقيق فى أية سنة لقى هذا الرجل حتفه ، ولكن أحد الخبراء ذكر لى أن أباه يذكر هذه السنة جيدا. لذلك لست أشك فى أن هذا الخصى هو الذى ورد ذكره فى رحلة بروس تحت اسم محمد طواش ، وهو الذى وجد هذا الرحالة جثته فى هذه البقعة ذاتها بعد أن أسر بدويا من البشاريين القتلة بثلاثة أيام .. وقارىء القصة قد يلحظ التلفيق فى تفاصيلها ، ولكنها صحيحة فى جوهرها. على أن قتلة الرجل لم يكونوا من البشاريين ، بل كانوا الخبراء الذين رافقوه ، وهم جماعة من العبابدة ينتمون لعشيرة حميداب ، وهى إحدى عشائر عشاباب ، ومقرهم بحيرة القريبة من أدفو على الضفة الشرقية للنيل. وقد لامهم أصحابهم أشد اللوم على ما اقترفت أيديهم ، ومنذ ذلك العهد سقطت عشيرة حميداب من عيون الناس وذهبت ريحها. وقبر الطواشى يقوم على سفح الجبل فى البقعة التى سقط فيها صريعا ، وله عندهم مقام أضرحة الأولياء والشهداء. والضريح مبنى بالحجر بيد قبيلة أخرى من العرب. وقد وجدناه مغطى بقليل من الحصر ، وقصدته الجماعة كلها وصلى كثير منهم ركعتين إلى جواره. وفيما هم يرحلون عنه نثروا عليه قربانا من الذرة وغيرها ، وملأوا جرة ماء كان قد تركها عند القبر مسافر قبلنا ، وقامت إلى جوار الضريح عيدان علقت عليها خرق ملونة جريا على عادة العرب ، ورأيت على الأرض رحالا للجمال كان قد وهبها بعض المسافرين إكراما للولى. وأنفقنا ساعات الظهيرة فى الوادى الفسيح إلى جوار الضريح الذى سمى الوادى باسم صاحبه ، ثم استأنفنا السير فوق أرض وعرة من الحجارة والرمال. وكان اتجاهنا طوال اليوم إلى الجنوب بانحراف قليل للشرق. وحططنا
(*) كان خصيان مكة والمدينة إلى عهد قريب يخرجون إلى السودان فى رحلات لاستجداء المحسنين. من ذلك أن أحدهم خرج إليه فى رحلة عام ١٨١١ فلقى من الإجلال والاحترام ـ بسبب صلته بالأراضى المقدسة ـ ما أتاح له جمع الأتباع وتأليف طائفة قوية استطاع بفضلها الاستيلاء على إقليم يحكمه اليوم بوصفه ملكا عليه.