رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٥٧ - فصل في السياسة الجسمانية
التي كان يتحرك بها مع النفس، و لم يعدم من آلته شيئا، و لا ذهب منه عضو من الأعضاء إلا ذهاب الروح منه فقط! و البرهان أن الريح ليست من جوهر السفينة، و لا السفينة حاملة بل الريح محرك لها. فإذا صحّ أن الريح محركة للسفينة و ليس من جوهر السفينة، و لا تقدر السفينة و من فيها على استرجاع الريح بعد ذهابها بحيلة يعملونها أو صنعة يصنعونها، كذلك ليست الروح من جوهر الجسم، و لا الجسم حامل للروح، و لا يقدر أحد من العالم على استرجاع النفس إذا فارقت الجسم.
فيا ليت شعري كيف يفسد هذا البرهان إلا بمكابرة العيان! فإذا تحققت ذلك و علمت أن جسمك إنما هو سفينة معدّة لهبوب الرياح و نزولها عليها، علمت أن هلاك السفينة- إذا هلكت- يكون من حالين: إما بفساد من جهة جرمها و انحلال تركيبها فيدخل الماء و يكون ذلك سبب غرقها و هلاكها و هلاك من فيها إن غفلوا عنها و لم يتداركوها بالإصلاح و التفقد لها، كهلاك الجسم من غلبة إحدى الطبائع متى تهاون صاحبه و غفل عنه، كذلك النفس لا تبقى مع الجسد إذا فسد مزاجه و تعطّل نظامه و ضعفت آلته، كما لا يتهيّأ للريح أن تعود للسفينة كما كانت تسوقها قبل غرقها، و الريح موجودة في هبوبها غير معدومة من الموضع الذي كانت السفينة فيه قبل هلاكها، كذلك النفس باقية في معادها كبقاء الريح في أفقها بعد تلف الجسم، و إنما يكون الغرق للمركب بفساد آلته و هلاك الجسم بفساد مزاجه و غلبة طبائعه.
و أما القسم الثاني فهو أن يكون المركب هلاكه بقوّة الريح العاصفة الهابة، الوارد منها على السفينة ما ليس في وسع آلتها حمله، و لا القدرة عليه، فتضعف الآلة و تنكسر الأداة، فإن كان من فيها من أهلها عارفين موجب ذلك الأمر من نزول ذلك العاصف، و أنه بموجب المقدار اطمأنت نفوسهم و سلّموا إلى ربهم، و وعظ بعضهم بعضا، و صبروا على ما نالهم، فإن زاد بهم الأمر حتى يبطح السفينة ما يكسرها و يكون منهم ما قضى، كانوا مطمئني النفوس