رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٥٦ - فصل في السياسة الجسمانية
صلاحك و خلاصك و نجاتك، فتفرح بذلك و لا تحزن كما يحزن الممتحنون في أنفسهم بأجسامهم و في أجسامهم بأنفسهم إذا نزلت بهم الأعلال و الأمراض، فيكثر خوفهم و يدوم حزنهم فزعا من الموت، و هم يعلمون أنه لا بدّ ملاقيهم، فحسرتهم لا تنقضي و غمّهم لا يفنى! قد اشتغلوا بصلاح أجسامهم و أمر دنياهم عن صلاح أنفسهم و آخرتهم فهم مستعجلون نعيما زائلا و سقما إليهم واصلا، فهم لا يخفف عنهم من عذابها و لا يقضى عليهم فيموتوا موت اليأس منها و الانقطاع عنها.
فإذا علمت ذلك و تدبرته و فهمته جعلته امامك في سياسة جسمك و تدبير جسدك. فهذه سياسة يختص بها جسمك الكثيف الذي ليس له مقرّ إلا في الدنيا، و لا مكان إلا في الأرض، و لا صفة إلا الطول و العرض و العمق و ما يحويه و ما يحيط به. و اعلم أنه محمول لا حامل، كما ظن كثير ممن لا علم عندهم و لا معرفة معهم أن الجسم حامل النفس و أنها زبدته و صفوة طبائعه، و أنها تقوى بقوّة الغذاء، و تضعف بضعفه، و ليس الأمر على ما ظنوا و لا القضية كما توهموا، و إنما النفس حاملة للجسم و أعراضه، و هي الذاهبة به في الجهات التي يجب لها، و هي معه تدبّره في مجيئه و ذهابه، و بها يستقر على ما يجانسه و يشاكله من الكثائف، إما في جهة من الجهات الأرضية من هبوط إلى أسفل بحيث يكون له ثبات القدمين في الهبوط، و إما طلوع إلى فوق بحيث يمكنه مثل ذلك. و أما استواء طيران في الهواء و طلوع إلى السماء، فإنها لا يمكنها بهذه الطينة الكثيفة ترقّيها إلى هناك، بل يمكنها الصعود بمجردها إذا تخلصت منه و انفصلت عنه.
و ذلك أن السفينة في البحر المحكمة الآلة، المتقنة الأداة، تمر فيه بمن يربّ أمرها، و يصلح حالها، و مع ذلك فإنها لا تسير إلا بهبوب الرياح القائدة لها إلى الجهة التي يختار صاحبها، و إذا سكنت الريح وقفت السفينة عن ذلك الجريان، كذلك جسد الإنسان إذا فارقته النفس لا تتهيأ له تلك الحركة