رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٠٣ - فصل في معرفة جنس المسروق
و اعلم يا أخي أن هذا الحكم و العلم بما ذكرناه و وصفناه و بيّنا شيئا منه هو من الأبواب الغامضة من علم النجوم التي لا سبيل إلى معرفتها إلّا بجودة الحساب و دقّة النظر و استخراجها، و قد يكلّ كثير من أهل زماننا ممن يتعاطى معرفة علم النجوم عن استخراج ذلك و العمل به و الحكم عليه، و الذي نريد لإخواننا، أيّدهم اللّه، أن لا يدّعوا أنهم يعرفون شيئا من العلوم إلّا بعد الإحكام له، و المعرفة به، و التمهّر فيه، و التجربة له، لما نتخوّف عليهم من الخطإ و الكذب الذي هو مجانب لصفاتهم، لأن كثيرا من الجهّال يدّعون ما ليس لهم أن يدّعوه، فإذا وقع به الامتحان، افتضحوا و تزيّفوا و نسبوا إلى الكذب، و سقطوا في أعين الممتحنين لهم، حتى إنه ربما يكون معهم حقّ و لا يقبل منهم و لا يؤخذ عنهم، و يكون ذلك كسرا لهم، و حسرة في قلوبهم، و قاطعا لهم عن العلم و العمل. و الذي وجب علينا من النصيحة لإخواننا ما فعلناه، و أبلغنا لديهم النصيحة، و أدّينا إليهم الأمانة، و أردنا لهم ما أردنا لأنفسنا، و أردنا بذلك أن تكمل لنا درجة الإيمان كما قال النبي، صلى اللّه عليه و سلم: لا يكمل للمؤمن إيمانه حتى يرضى لأخيه المؤمن ما يرضاه لنفسه.
و قد وشّحنا رسائلنا هذه بلمع من العلوم و المعارف و ما يجري مجرى السحر للمعقول من الأخبار بما يكون و كان، لأنه من أشرف المعارف و أحكم العلوم التي يختص الإنسان بها، و أوائلها مأخوذة عن الملائكة بالوحي و الإلهام.
و اعلم يا أخي أنه لا سبيل لأحد من البشر إلى الإحاطة بها جميعها بأسرها.
و إنما منّ اللّه على خلقه بشيء منها على لسان أقربهم إليه، و أحبّهم لديه، و أكرمهم عليه، بوساطة الملائكة بينهم و بينه كما قال، عزّ اسمه: «ما كان لبشر أن يكلمه اللّه إلّا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم». و مما يجب لإخواننا، أيّدهم اللّه، أن يعلموه