رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٢٤ - فصل
إلى الطاعة، و عمّت البركة و شملت النعمة، و عاد الامر إلى احسن ما كان في مدة يسيرة، و قويت نفس الملك و وثق بما وعده الشيخ الموفّق الرشيد، فكتب الشيخ إلى ربّ بيت الحكمة في ذلك الزمان يعلمه بما جرى و يسأله أن ينفذ إليه من يراه ليفتح عليه من العلم ما يصلح له و يعلّمه ما ينبغي له في جسده.
فلما وصل الكتاب إلى الحكيم و وقف عليه استدعى تلامذته و كان له اثنا عشر تلميذا حاضرين معه فأعلمهم بما وصل إليه و قرأ عليهم الكتاب، فقالوا:
مرنا بما تريد لنمتثله و نأتي فيه بما تؤمّله، فأفرد رجلين منهم و قال لهما: اذهبا إلى الملك فإذا دخلتما عليه فليبدأ به أحدكما فيلزمه حتى يبلغ في العلم الرياضي إلى حدّ يجب له، إذا وصل إليه و وقف عليه، الارتقاء إلى العلم الإلهي، ثم ينفصل عنه و يلزمه الآخر حتى يوقفه منه عند الحد الذي ينبغي له. فإذا رأيتماه قد حسنت أفعاله و زكت أعماله، فانصرفا عنه و لا تطلبا عليه جزاء و لا شكورا.
ثم ابتدأ بوصيتهما و بتحذيرهما من الوقوع في حبائل الدنيا و شبكة إبليس و قال لهما: إنكما في مكان بعيد عن محاسن الدنيا و زخارفها و نضارتها و بهجتها و ما يجده أهلها من فتنتها و ستردان على الملك على مملكة واسعة و نعمة ظاهرة و لذّات متواترة، و إيّاكما الميل إلى شيء منها، و المحبة لها، فإنكما إن فعلتما ذلك و ملتما إلى شيء مما تريانه، انفسدتما و أفسدتما و خرجتما من الصورة الإنسانية إلى الصورة الحيوانية، و الرتبة الشيطانية بالفعل، و خرجتما من فسحة الجنان و روضة الرّوح و الريحان، و جاورتما الشيطان في دار الهوان، و خرجتما من سعة الكل إلى سجن الجزء.
قالا: سمعنا و أطعنا! و توجها من حيث هما إلى إقليم الملك، و كتب الحكيم إلى الشيخ يعلمه بذلك و جعله عينا عليهما ينقل إليه أخبارهما و ما يعملانه و يعاملان به الملك.