رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٢٢ - فصل
تخرج إلى أحد بشيء منه كما خرجت به إليك من أمري لئلا أنسب إلى الجنون و زوال العقل، فيذهب الملك مني و منك، و يطمع فينا الأعداء، لأن علة زوال العقل أصعب العلل، متعذّر دواؤها، معدوم شفاؤها.
و لكن قد طمعت أن لي عندك فرجا لما رأيتك قد سألتني عن هذا السؤال و لم يكن هذا من عادتك معي، و لمعرفتي أن فيك من الأدب الذي يصلح للملوك ما لا يحملك على مثل ما أقدمت به علي من ابتدائك لي بالسؤال عن سري الذي لم أبده، فاصدقني كما صدقتك.
قال الوزير: فأعدت عليه ما كان و ما جرى من الشيخ الذي أشار علي بذلك و أمرني به.
فقال: علي بالشيخ! فقد وضع يده على الداء، و أرجو أن يكون عنده الدواء.
فخرجت من عنده و أحضرت ذلك الشيخ و قصصت عليه الحال من أولها إلى آخرها فبكى و قال: انكشفت العلة و عرفنا دواءها، و قدرنا على شفائها إن شاء اللّه.
ثم نهض معي حتى دخلنا على الملك، فلما رأى الشيخ فرح به و رفعه و أقبل عليه و أنس به، و أقبل يعيد الحديث عليه من أوله إلى آخره، فأقبل الشيخ على الملك و قال له: إن العمل الذي يوصل إلى مثل ما رأيت لا يكون إلا بعد العلم بتوحيد الخالق، جلّ جلاله، و معرفته حقّ معرفته، فإذا صح لك ذلك و علمته، ابتدأت تشرع في تعلم العلم المؤدي بك إلى عبادته، الموصل لك إلى جنته و دار كرامته. فإذا أحكمت العمل بتلك العبادة، وصلت إلى مرادك و نلت غرضك، و لا يكون ذلك إلّا بعد ترك جميع ما ملكته و قدرت عليه من أمور الدنيا.
قال الملك: قد رضيت بذلك و طابت نفسي به، و قد تعجّلت بترك جميع ما كنت فيه و تمنيت الموت و الراحة من هذا العالم.