رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٢١ - فصل
بادرت و عملت ما يقرّب إلى ربك وصلت إليه و كنت ملكا بالحقيقة، و نلت ملكا لا يبلى و لذّة لا تفنى، فتكون ملكا بالحقيقة تفعل نفسك إذا زكت و روحك إذا صفت، ما أنا فاعل، و تصل إلى مثل ما أنا إليه واصل.
ثم إنه ارتفع من الأرض و أقبل يمشي في الهواء و يجول في الفضاء إلى أن رأيته وصل إلى السماء و غاب عني فلم ير، و سمعت هاتفا يقول: «لمثل هذا فليعمل العاملون».
فلما رأيت ذلك منه أيقنت أني لست بمالك و أني مملوك كما قال، و أني لست بعالم و أني جاهل، و أني لست بإنسان و أني حيوان، ثم انتبهت و أجلت الفكر و أعملت الرويّة، و كثر تخيّلي لذلك الشخص و ما قال لي و رأيت من مملكتي و سعة قدرته و المكان الذي رقي إليه، و اشتهيت المعرفة بالعمل الذي هو وصل إليه، فاشتغلت بهذا الشأن عن جميع ما كنت بسبيله من تلك اللذّات، و انقطعت عن جميع الشهوات، و زهدت في المأكول و المشروب، و أقبلت أجيل فكري و أقلّب نظري في أهل المملكة و رجال الدولة، فلم أر فيهم من يصلح أن أكشف له هذا السر، و رأيتهم كلهم مشاغلا بالحال التي أزرى بها علي ذلك الشخص، و أني و اياهم مماليك، و أن الأسماء التي استعرناها لا تصلح لنا و لا تليق بنا، و أنها ذاهبة زائلة عنا، و خشيت أن أبدي أمري إلى من ليس هو من أهله، فأنسب إلى الجنون و قلّة العقل، فصمتّ عن الكلام، و زادني الفكر الغم و الهم و الأسف، فحدث بي من ذلك ما ترى من التحوّل و التغيّر و الصفات.
فهذا هو سبب وجعي و مبدأ علّتي، و أظن أني خارج من هذه الدنيا بهذه الحسرة إن لم أصل إلى العمل الذي يوصلني إلى ما وصل إليه ذلك الشخص الذي رأيته، و قد خرجت إليك بأمري، و كشفت لك ما أخفيت من سري، فإن كان لي عندك فرج فمنّ به علي، و إن عدمت ذلك فاكتم سري و لا