رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣١٩ - فصل
شفائه و معرفة دوائه إلّا بعد الإبانة عما ذكرته لك، و أنا أرى أن سؤالك له عن أمره و ما أخفاه من سره يكون سببا لحياته و نجاته إن شاء اللّه، فإذا أعلمك ذلك فأعلمني به و احفظه عنه لئلا تنسى مما يحكيه شيئا.
ثم انصرف ذلك الشيخ و من حضر المجلس من الأطباء، و نهض الوزير فدخل على الملك، فلما رآه أنس به و أدناه بقربه، و سأله هل وجد له دواء، و اتجه له عنده شفاء؟ فأكثر الوزير من الدعاء له ثم أقبل عليه فسأله عن بدء العلة كيف كان؟ و ما الذي كان السبب في حدوثها به؟ فلما سمع الملك من وزيره هذه المسألة التي لم يكن سأله عنها قبل ذلك، أمر من كان بين يديه من خدمه أن يقعدوه و يسندوه ففعلوا ذلك، ثم أمرهم بالبعد عنه. فلما رأى الوزير ذلك خاف على نفسه و فزع و استوى الملك جالسا على فراشه و قال له:
ادن مني، و أعد هذه المسألة علي و اصدقني، فإني أرجو الشّفاء بصدقك إياي، و أنك قدرت على الدواء في إزالة الداء إن شاء اللّه، فإني لم أسمع منك هذا السؤال قبل هذا، و الواجب على الملوك في أدب المملكة أن لا يبدءوا من يلم بهم من عبيدهم و خواصّهم بكشف أسرارهم، و بما يحدث منهم في خلواتهم و ما يجيلونه في أفكارهم، لا سيما إذا لم يجدوا له أهلا يكشفونه لهم، و يودعونه عندهم، و يرجون بهم فتح ما انغلق عليهم بابه و تعذرت أسبابه. و قد كنت في طول هذه المدة التي حدثت بي فيها هذه العلّة أريد من يسألني عن ذلك فأبديه له، فلم أجد سائلا يسألني عن ذلك، و كلما عدمت من أبثّ إليه الشكوى و أخرج إليه بما أجد من البلوى صعبت العلة علي، و تزايدت المحنة لديّ.
فلما سمع الوزير ذلك من الملك تحقق قول الشيخ الحكيم المجرّب و علم أنه صدق و أصاب. و قال له الوزير: أرجو أن أكون موضعا لهذا الأمر و كشف هذا السر.
فقال الملك: ان شاء اللّه. ثم ابتدأ الملك فقال: إني كنت في بعض الأيام