رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣١٨ - فصل
المأكولات أسرف في أكله؟ أم مشروب أترف في شربه؟ أو غمّ عرض له؟ أو همّ دخل عليه؟ أو حال اشتغل به قلبه و فكره؟ أو صورة حسنة رآها فوقعت في قلبه ثم حيل بينه و بينها و منع من تناول لذاته منها؟ و أيّ موضع يجد الوجع من جسمه؟ و بما ذا يختص من أعضائه؟ و أي شيء يشتهيه؟
و أيّ حديث يلهيه و يرضيه؟ و أيّ سماع يطربه؟ فإذا أخبر العليل طبيبه بشيء مما ذكرناه إذا سأله، و كان العليل صحيح العقل، ازداد الطبيب الماهر علما به و استشهد على ما أخبره لفظا بما يدلّ من البرهان عليه بالحس، و ما تبين له من صحة النبض مما يستدل به على صحة ما أورده المريض.
و يسترشد الطبيب على قول المريض و شهادة النبض بشاهد آخر و هو الماء.
فإذا اتفق النبض و الماء مع شكوى المريض، فقد عرف حينئذ الطبيب العلة و ما يختص بها من الأعضاء. فإن تغلبت إحدى الطبائع و ضعفت الأخرى، أرسل إلى ذلك العضو ما يوافق طبيعته و يلائم قوته لينقمع به ضدّه الذي يضايقه في مكانه بالملاطفة و التدريج، و لا يحمل عليه بالدواء الحادّ في أول دفعة، فإنه ربما أحدث له ذلك فسادا لا يرجى صلاحه. و المثال في ذلك النار المشتعلة في الحطب، أول ما وصلت إليه، فإنها إذا قويت و ألقي عليها الماء ازدادت حرارتها و قويت بخاراتها، فأتلفت ما وصلت إليه و احتوت عليه. فاسأل أيها الوزير عن بدء هذه العلة كيف كانت، و ما السبب فيها، و الحال الموجب لها؟ فلعلنا إذا عرفنا ذلك نتداركه بالملاطفة و حسن التدبير إن شاء اللّه. قال الوزير: أيها الحكيم إن في أدب وزراء الملوك، و من الواجب على من صحب الموك أن لا يبدأهم بالسؤال لهم عمّا لا يجب له السؤال عنه، و لا يهجم عليهم بذلك إلّا أن يبدءوا به، و لا يطلب الدليل على ما يقولونه بل يستمع و يصدّق و يسلّم إليهم في جميع أمورهم، و لا يعترض عليهم في أفعالهم و أعمالهم، و أنا أهاب الملك و أخاف منه أن أسأله عن شيء لم يبده و حال يخفيها و لم يطلعني عليها، لا سيما في أمر نفسه و جسمه. قال الحكيم: أيها الوزير إنه لا سبيل إلى