رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٩٠ - الرسالة الحادية عشرة من العلوم الناموسية و الشرعية في ماهية السحر و العزائم و العين(و هي الرسالة الثانية و الخمسون من رسائل إخوان الصفاء)
فقلت: يا سيدي، هذه الزّهرة و عطارد قد عملا عملهما. فأمره المأمون أن يفعل ما قال ففعله، فعلمنا أنه من علاج الطّلّسمات.
فما زال به المأمون أياما كثيرة حتى تبرأ من دعوى النبوّة، و وصف الحيل التي احتالها و عمل بها في الخاتم و القلم، ثم وهبه المأمون ألف دينار. ثم لقيناه بعد ذلك فإذا هو من أعلم الناس بعلم النجوم.
فأما ما قد ذكر في القرآن في مواضع كثيرة من ذكر السحر و تكرير ذكره، فمن ذلك ما قيل في سورة البقرة قال: «وَ ما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَ لكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَ ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَ مارُوتَ وَ ما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ وَ ما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ».
فإذا كان قد بلغ من قوة السحر و علمه أن يفرّق بين المرء و زوجه، فأي شيء بقي بعد هذا؟ أو هل في ذلك الخبر شك بعد ما نطق به القرآن و عرفنا منه صحته؟ و قد قال، عزّ و جلّ، في سورة المائدة: «وَ إِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ» و قال، عزّ من قائل، في سورة الأنعام: «وَ لَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ» و قال، عزّ و جلّ، في سورة الأعراف: «قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بسحره فَما ذا تَأْمُرُونَ، قالُوا أَرْجِهْ وَ أَخاهُ وَ أَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ، وَ جاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ، قالَ نَعَمْ وَ إِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ. قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَ إِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ، قالَ أَلْقُوا، فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَ اسْتَرْهَبُوهُمْ و جاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ».
أ لا ترى أن القرآن يستعظم سحرهم؟ و قال تعالى في هذه السورة: «وَ أُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ» و فيها أيضا: «وَ قالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ»