رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٥٥ - فصل في السياسة الجسمانية
و لا ينقص منها ما تحتاج أن تزيده. فإن كانت العوارض النازلة بالجسم ليست من قبل الغذاء و لا من جهة التغافل عن إصلاحها، نظرتها إن كانت من جهة اختلاف الأهوية المتصل بالجسم منها الأذى عدّلتها بما يصلح لها مما علمته من السياسة الطبية، و إن كان ذلك بموجبات أحكام النجوم و ما قدّر فيها اطمأنت نفسك و حسن الصبر بك و لم تتهم نفسك أن الأذى دخل على جسمك من جهة تفريط في الغذاء و لا إكثار من الأكل و الشرب.
و اعلم أيها الأخ البارّ الرّحيم أنك إذا لم تحمل على جسمك من المآكل و المشارب و الباءة و الحركة إلّا معتدلا لازمتك العافية و عدمت الأسقام. و مع ذلك فاعلم أن الأسقام و الآلام لا تدخل على الأجسام إلّا بموجب حركة نجومية و مقادير سماوية، و كذلك زوالها، و إنما صار ذلك مقدّرا على الأجسام من أجل أنها ليست هي الذات الباقية و لكنها ذات فانية، فلذلك وصل إليها التغيير و الاضمحلال و التقلب و الزوال. و أكثر الناس إذا نزلت الآلام و الأسقام اتهموا فيها نفوسهم من كثرة ما يستعملون من المآكل و المشارب، فيكثر غمهم و تدوم حسرتهم، حتى إنهم اتخذوا أنفسهم أعداء لهم يرجعون عليها باللوم و التأسف على ما فرط منهم فيكون ذلك أدوم لحسرتهم و أطول لعلّتها.
و إذا أنت تيقنت ذلك سكنت نفسك و طاب لها الصبر على الأسقام النازلة و الأعلال الواصلة إلى الجسم. و اجعل أكثر شوقك إلى الخلاص من هذه الدار و مفارقة هذا السجن لأنك إذا خرجت منه قدمت على ربك.
و اعلم أيها الأخ أنك لا تقدم على ربك و لا تصل إليه وصولا يجازيك به مجازاة من يستحق الثواب و أنت على هذه الحال. فإذا تحقق عندك ذلك هان الموت عليك فتمنيته و طابت نفسك. فإذا حدثت تلك العلل و العوارض المحلّلة لتركيب الجسد بموجب الأحكام المقدّرة و لم تر لنفسك في ذلك أمرا وصل ذلك إليك من جهته فليس بموصله إليك إلا الحكم المراد به