رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٥٢ - الرسالة التاسعة من العلوم الناموسية و الشرعية في كيفية أنواع السياسات و كميتها(و هي الرسالة الخمسون من رسائل إخوان الصفاء)
ظنه و صدقته عنك فراسته لما استجلاك بنور اللّه الذي أودعه فيك تنظر به إلى مخلوقاته و تحسن به قراءة آياته كما قال الحكيم الصادق، صلى اللّه عليه و سلم و على آله: «المؤمن ينظر بنور اللّه» و قال تعالى: «يسعى نورهم بين أيديهم».
و نظرناك بهذا النور الموهوب لنا، المجعول أولا في أبينا إبراهيم حتى رأى به ملكوت السماوات و الأرض، و كان به من الموقنين و صار وراثة تنتقل في ذريته الذين اتبعوه كما قال: «فمن تبعني فإنه مني و من عصاني فإنك غفور رحيم».
و لما رأيناك بهذه الرؤية الصادقة بعد اجتهادك و حرصك على الوصول إلينا و شدة الطلب لنا، و خلاصك من دياجي ظلمات زمان الجور، و غلبة الشياطين، و كثرة أعوان الظالمين، و خمول الحق و انقطاع أهله بأنفسهم عن الجمهور و الرعاع، و توعر طرقه و سبله، فكنت من بين أهل زمانك كقادح زناد في ليلة ظلماء ذات رياح عاصفة، و ظلمات متراكمة، و أهوية باردة، يريد الاستضاءة بنوره في طريق فقد أدلّته و اندرست معالمه، و ذهبت دلائله، و لم يبق منه إلّا مسلك وعر داثر العلامات، يصعب السلوك فيه و القصد لديه، إلّا على أصحاب اقتفاء الآثار الخفيّة بمعرفة سبقت عندهم بها، و علامات وصفت لهم و خفيت على الذين يريدون إطفاء نور اللّه بذهابها و إزالتها، لئلا ترفع حجة اللّه من أرضه و تنمحي آثار حكمته.
فلما أوردت لك الزناد بنوره و دلّك الدليل بظهوره، حتى وصلت إلى بقعة من بقاع الجنة و روضة من رياض الأرض التي بها تبدّل الأرض غير الأرض يوم العرض، فيها: «رجال لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر اللّه و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة» «تراهم ركّعا سجّدا يبتغون فضلا من اللّه و رضوانا» الآية. و هم على شاطئ البحر المحيط من وراء جبل قاف عند مجرّ خط الاستواء، و هي بقعة يجمع طرفاها ما بين شعاع الشمس عند طلوعها و غروبها، يرى منها المنازل الثماني و العشرون المهيأة لمسير القمر و هي