هداية الطالب الى اسرار المكاسب ط قديم - الشهيدي التبريزي، الميرزا فتاح - الصفحة ٨٦ - الثاني في كفارة الغيبة الماحية لها
أيّ شيء كان من العقاب و دخول النّار و انحطاط الدّرجة و عدم النّيل إلى الدّرجة العالية على اختلاف الحقوق الغير التّرخيصيّة و لازم ذلك عقلا هو الحركة إلى رفع ذلك الأثر على فرض قابليّته له لزوما أو جوازا على اختلاف الآثار و أمّا أنّ ذاك الأثر بعد ثبوته قابل للارتفاع في دار التّكليف أم لا و على الأوّل أنّ الرّافع هو التّوبة بانفرادها أو لا بدّ فيه مع ذلك من أمر آخر من بذل المال أو الاستغفار لذي الحقّ منه تبارك و تعالى أو الاستحلال منه أو غير ذلك فلا مجال للعقل فيه بل لا بدّ فيه من الرّجوع إلى الشّرع و من المعلوم أنّ أدلّة الحقوق غير وافية بجميع ذلك كما لم تكن وافية بكيفيّة الحقوق أي الأحكام من حيث اللّزوم و عدمه إذ غاية ما يستفاد منها ثبوت ما جعل محمولا على الحقّ مثل أن لا يغتابه و أن يشيّعه على مدخول كلمة على و طلبه منه فغير ذلك من الأمور المذكورة لا بدّ في إثباته من مطالبة دليل آخر عقليّ كما في بعضها أعني ترتّب أثر ما على المخالفة المفوّتة لتلك الخصوصيّة المقتضية للحكم و الإقدام على دفع ذلك الأثر أو شرعيّ كما في البعض الآخر إذ لا مجال للعقل فيه فلا محيص عن الرّجوع إلى الأدلّة الشّرعيّة إن كانت و إلّا فإلى الأصول العمليّة فإن قلت لو صحّ ما ادّعيته من كون جميع الحقوق بين النّاس من قبيل الأحكام الوضعيّة أو التّكليفيّة فما الوجه في اختلافها من حيث سقوط بعضها بالإسقاط دون البعض الآخر و الحال أنّ الأحكام غير قابلة لذلك ضرورة أنّها وضعا و رفعا بيد الحاكم خاصّة قلت قد عرفت من مطاوي كلماتنا أنّ الحكم المجعول تارة يكون بنحو الوضع فينتزع عنه التّكليف و أخرى بالعكس بناء على تأصّل الأحكام الوضعيّة كالتّكليفيّة أمّا في الجملة كما عليه الأستاد ره في الكفاية أو بالجملة كما هو التّحقيق و الميزان في تمييز أحد النّحوين عن لآخر إنّما هو مراجعة الأدلّة الشّرعيّة فما كان متعلّق الحكم فيها من قبيل الأفعال و التّروك للمكلّف كالأكل و الشّرب بل الخيار بمعنى الاختيار و ترك الغيبة و الظّلم و ما أشبه ذلك فهو من الثّاني فالخيار المجعول للمتبايعين ما دام لم يفترقا ليس إلّا صرف جواز الفسخ و الإمضاء لعدم الفرق بين قوله البيعان بالخيار ما لم يفترقا و بين قوله في صحيحة أبي ولاد للمسافر الّذي دخل مدينة الرّسول ص أنت بالخيار إن نويت إقامة عشرة أيّام فأتممت و إلّا قصّرت و لا ريب أنّ المجعول للمسافر جواز نيّة الإقامة قبال وجوبها و حرمتها فليكن كذلك في الأوّل و ما لم يكن كذلك بل كان متعلّق الجعل و هو الأمر المجعول الثّابت على شخص نفس السّلطنة و نحوها من الأمور الوضعيّة مثل قوله الأب و الجدّ وليّ على الصّغير و الفقيه قاض و فلان وال و هكذا فهو من القسم الأوّل و حينئذ نقول إنّ شيئا من الحقوق الّتي عرفت أنّ مرجعها جميعا إلى الأحكام النّاشئة من ملاحظة الخصوصيّة المناسبة لها في ذي الحقّ من دون فرق بين القسمين ممّا لا ينبغي الإشكال في عدم قابليّته للسّقوط بالإسقاط ما دامت العلّة التّامّة المقتضية لها موجودة سواء كانت هي نفس الخصوصيّة في من له الحقّ بانفرادها كالأبوة و الجدودة أو كانت هي مع اقترانها بوجود الشّرائط و فقد الموانع و ذلك لاستحالة انفكاك الأثر عن المؤثّر و ما تراه من الاختلاف إنّما مرجعه إلى اختلاف أسبابها و مقتضياتها من حيث القابليّة للإزالة و لو بإعدام شرط أو إيجاد مانع مثل الإقدام على الضّرر و الرّضا به بعد الالتفات إليه في خيار الغبن و حقّي الشّفعة و المضاجعة مثلا و عدمها كالأبوّة و نحوها و هذا لا ربط له باختلاف نفس الحقوق و بالجملة مقتضى التّحقيق الّذي لا محيص عنه عدم قابليّة شيء من الحقوق للسّقوط بالإسقاط مع بقاء العلّة التّامّة له فضلا عن النّقل الاختياري بمثل الصّلح و الانتقال القهري بالإرث لتوقّفهما على قابليّته للسّلب عن ذي الحقّ و قد عرفت عدم قابليّته له و لا ينافي ذلك ما تسالموا عليه من أنّ لكلّ ذي حقّ إسقاط حقّه و التّجاوز عنه و لعلّهم استفادوا من ذلك فحوى قاعدة السّلطنة على الأموال كما ذكره المصنف قدّس سرّه في خيار المجلس و ذلك لاحتمال اختصاصه بما كان الحقّ دينا على الغير و إلّا يلزم تخصيص الأكثر فيكون حينئذ من أفراد قاعدة السّلطنة على الأموال و من ذلك يظهر حال النّبوي ما تركه الميّت من حقّ فلوارثه و هذا الاحتمال لا محيص عنه بعد ملاحظة استقلال العقل باستحالة تخلّف المعلول عن علته
التّامّة و من هنا ظهر حال دعوى الإجماع على سقوط حقّ الخيار و نحوه بالإسقاط فتأمّل و دعوى أنّ السّقوط بالإسقاط قد أخذ في ثبوت أصل الحقّ فاسدة جدّا هذا الّذي ذكرناه في الحقوق الوضعيّة إنّما هو بناء على الجعل في الأحكام الوضعيّة كما هو التّحقيق و أمّا بناء على انتزاعها من الأحكام التّكليفيّة فلا ريب في عدم قابليّة الحقوق للإسقاط و النّقل و الانتقال و من هنا يتّجه على المصنف قدّس سرّه أنّه مع اختياره ذلك و إصراره عليه في الأصول كيف يقول بسقوط الخيار بالإسقاط فما هو جوابه عن الإجماع على السّقوط بناء عليه هو جوابنا عنه بناء على الجعل و لعلّ مراده و مراد المحشّين من الإسقاط هو الإمضاء و عليه لا إشكال و من التّأمّل فيما ذكرنا تعرف أنّ القول بالفرق بين الحقّ و الحكم ثمّ التّعرّض لبيان وجه الفرق بما ذكروا في حواشي المتن أو في رسالة مفردة اشتباه نشأ من عدم الوصول إلى حقيقة المطلب و لا غرو في ذلك فتأمّل جيّدا و افهم جدّا و لا تقلّد ممّن عدا المعصوم ع أحدا و كيف كان فقد ظهر ممّا ذكرنا أنّ كون ترك الغيبة حقّا لازما قابلا لرفع الأثر الحاصل من تفويته و عدم مراعاته ممّا لا شبهة فيه أمّا الأوّلان فلأخبار الحقوق المتضمّنة لعدم الغيبة بضمّ أدلّة حرمتها و أمّا الثّالث فلأدلّة التّوبة الشّاملة بعمومها أو إطلاقها لمثل المقام مضافا إلى الأخبار الواردة في خصوص كفّارة الغيبة بناء على اعتبارها سندا و دلالة لتطابقها على أنّ الغيبة لا بدّ في رفع أثرها في كفّارة ما على وجه الإجمال إمّا الاستحلال كما في جملة من الأخبار و إمّا الاستغفار كما في جملة أخرى و لازم ذلك ما ادّعيناه من قابليّة الارتفاع و إنّما الإشكال في تعيين الرّافع هل هو التّوبة فقط أو مع الاستحلال و الاستغفار كما عن بعض مشايخنا