هداية الطالب الى اسرار المكاسب ط قديم - الشهيدي التبريزي، الميرزا فتاح - الصفحة ٧٧ - و أما الثالثة و هي اختصاص الحرمة ببعض أفراد الموضوع
حتّى انتهى إليّ فوقف فضرب على رأسه ضربة امتلأ قبره نارا و إن شئت زيادة الاطّلاع على أحواله فراجع كتب الرّجال قوله و دخول هذا في الآية أقرب من خروجه إلى آخره أقول لا يخفى أن دخول هذا الفرض في الآية لا يجدي للمصنف قدّس سرّه في مقام ردّ من استدلّ بالرّواية على أنّ حرمة الغناء ليست لأجل نفسه بل لأجل ما يقترن به من الأمور الخارجة عنه و منه الكلام الباطل الحرام فإنّه قائل بدخوله فيها و إنّما المجدي له قدّس سرّه فرض صوت لم يكن منهما مع عدم كونه من لهو الحديث بأن كان في ضمن كلام حقّ أو كان خاليا عن الكلام بالمرّة و إن كان لهوا من حيث الكيفيّة داخلا في الآية و لكنّه منتف و بالجملة غاية ما تدلّ عليه الرّواية بواسطة الاستشهاد بالآية الشّريفة هو حرمة كلّ ما هو من أفراد لهو الحديث المقصود منه الإضلال عن طاعة اللَّه أو المترتّب عليه الضّلال على الخلاف في قراءته يضلّ بضمّ الياء من باب الإفعال أو فتحها من المجرّد و إن لم يكن ذلك بدخول الرّجال على النّساء و هذا المقدار لا يدلّ على حرمة الصّوت المجرّد عن قصد الإضلال أو ترتّب الضلال عليه و لو فرض لهوا بحسب الكيفيّة فتأمّل جيّدا قوله إلّا ثمن الكلب فتأمل أقول لعلّه إشارة إلى أنّه يمكن أن يراد منه الإلهاء بما يقارن غناءها من ضرب الأوتار و نحوه لا الإلهاء بالغناء المجرّد عنه قوله لتواترها أقول فيه أنّ تواترها لا يمنع من تخصيصها
[الثانية الاشتباه في الموضوع]
قوله و هو عجيب أقول نعم لو أراد أحد المعنيين اللّذين ذكرهما المصنّف و أمّا لو أراد أنّ الكيفيّة الّتي يقرأ بها للمرثية لا يصدق عليها الغناء لكن لا بمعناه اللّغوي حتّى يكون تكذيبا للحسّ بل بمعناه الانصرافي العرفي لاختصاصه بما يكون فيه طرب سروريّ فلا يعمّ ما يكون فيه طرب حزنيّ كما في الكيفيّة المقروّ بها للمراثي فلا عجب فيه أصلا بل هو أمر حسن و بالجملة مراده أنّ ما في المرثية من كيفيّة الصّوت الموجبة للحزن و إن كان يصدق عليه الغناء في أدلّة حرمته بمعناه اللّغوي الحقيقي إلّا أنّه لا يصدق عليه بمعناه الانصرافي المختص بما يكون موجبا للسّرور و لا عجب في ذلك فيكون مراده منع صدق الغناء في المراثي منعه بمعناه الانصرافي فخروجه عن أدلّة حرمة الغناء حينئذ يكون موضوعيّا كما أنّه يكون حكميّا و تخصيصيّا إذا لوحظ الغناء فيهما بمعناه اللّغوي و من هنا تعذّر أن يدّعى أنّ الفرق بين الثّاني و الثّالث إنّما هو باعتبار أنّ المراد من الغناء في موضوع أدلّة الحرمة معناه الانصرافي فالثّاني أو معناه اللّغوي الحقيقي فالثّالث و على هذا يكون الوجه في استثناء المراثي و إخراجها عن أدلّة الحرمة على الثّالث و الوجه في خروجه عنها موضوعا على الثّاني أعني الانصراف الموجب للرّجوع إلى الأصل
[و أما الثالثة و هي اختصاص الحرمة ببعض أفراد الموضوع]
قوله و ربّما وجّهه بعض إلى آخره أقول وجهه ما ذكرناه من مسألة الانصراف فتدبّر قوله ممّا تقدّم من صاحب الكفاية من الاستدلال بإطلاق أدلّة قراءة القرآن أقول ليس في الكفاية من الاستدلال به أثر في كتابي التّجارة و الشّهادة و لو سلّم فيرد عليه أنّ موضوعها مختصّ بقراءة القرآن و المناط غير منقّح فلا وجه للتّعدي بقوله و فيه أنّ أدلّة المستحبّات لا تقاوم أدلّة المحرّمات إلى آخره إذ فيه أنّ المسلم منه ما كان المورد من قبيل التزاحم و إلّا فلو كان من باب التّعارض فلا ريب في المقاومة و أدلّة المقام من الثّاني و لذا لا شبهة في تخصيص أدلّة حرمته لو قام دليل بهذا اللّسان مثلا يستحبّ قراءة القرآن بالصّوت اللّهوي و الغناء نعم استدلّ عليه في شهادة الكفاية بما دلّ على جواز النّياحة عليه ع أو مطلقا و لا بأس به لأنّه قضيّة الجمع بين الأخبار الواردة في باب النّياحة فإنّها على طوائف بعضها قد عبّر فيه بالكراهة و بعضها ظاهر في الحرمة مطلقا و هو عدّة أخبار و بعضها نصّ في الجواز كذلك و هو أيضا عدّة روايات و بعضها نصّ في الجواز مقيّدا بعدم قول الهجر المراد منه الهذيان و الباطل و هو رواية واحدة فيقيّد به إطلاق كلّ واحد من روايات الحرمة و الجواز فيحمل روايات الحرمة على النّياحة بالباطل و روايات الجواز على النّياحة بغيره و لعلّنا نتعرّض الأخبار الواردة في هذا الباب فيما بعد في مسألة النّوح بالباطل أنّ أخبار جواز النّياحة كلّها مطلقها و مقيّدها مخصوص بالنّساء فلا يكون دليلا على جواز نياحة الرّجال على الحسين عليه السّلام فضلا عن غيره و هذا هو المهمّ في باب المراثي و فيه أوّلا أنّه لا خصوصيّة للنّساء حيث إنّها من قبيل المورد فتأمّل و ثانيا نمنع اختصاص الأخبار بها لوجود خبر ظاهر في جواز نياحة الرّجال على الحسين عليه السّلام و هو ما رواه أبو هارون المكفوف قال دخلت على أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال أنشدني فأنشدته فقال لا بل كما تنشدون و كما ترثيه عند قبره فأنشدته فلمّا بكى أمسكته فقال مرّ فمررت فبكى و بكت النّساء فلمّا أمسكن قال يا أبا هارون من أنشد في الحسين ع فأبكى عشرة إلى أن بلغ الواحد فله الجنّة فإنّ الظّاهر أنّه بلحاظ حضرته ع و التّأدّب عنده أنشده بلا صوت و ترجيع فنهاه عليه السّلام عن ذلك و أمره بالإنشاد بالتّرجيع و الصّوت مثل الإنشاد في المجالس و المحافل يعني فقال لا تنشد بلا صوت و ترجيع بل أنشد بصوت و ترجيع كما تنشدون فيما بينكم في مجالس المرثية و قد يحتمل بل يستظهر عكس ما ذكرنا بأن أنشد بالصّوت و التّرجيع فقال لا تفعل كذلك بل أنشد بدونهما كما تنشدون بدونهما إذا كان كلّ واحد منكم في بيته لا في المحافل و المجالس و هو خلاف الظّاهر و يؤيّد ما ذكرنا الرّواية الأخرى قال قال لي أبو عبد اللَّه ع أنشدني في الحسين عليه السّلام فأنشدته فقال أنشد لي كما تنشدون يعني بالرّقة فبكى إلى أن قال و سمعت البكاء من خلف السّتر فإنّ الظاهر أنّ قوله بالرّقة من كلام أبي هارون فيكون حجّة لتقرير الإمام عليه السّلام لا من كلام الرّاوي عن أبي هارون كي لا يكون حجّة هذا بناء على كون الرّقة بكسر الرّاء و أمّا بناء على ما عن البحار من كونها بفتحها بلد على الفرات فلا تأييد فيه لأنّها حينئذ يكون مثل الرّواية الأولى هذا مضافا إلى أنّ غير واحد من الرّوايات صريح في نياحة الصّادق عليه السّلام