هداية الطالب الى اسرار المكاسب ط قديم - الشهيدي التبريزي، الميرزا فتاح - الصفحة ٧٤ - الأولى إشكال الفيض الكاشاني في أصل الحكم
الدّالّة على تحريم الغناء بوجهين أحدهما تخصيص تلك الأخبار بما عدا القرآن و حمل ما يدلّ على ذمّ التّغنّي بالقرآن على قراءته تكون على سبيل اللّهو كما يصنعه الفسّاق في غنائهم و ثانيهما أن يقال المذكور في تلك الأخبار الغناء و المفرد المعرّف باللّام لا يدلّ على العموم لغة و عمومه إنّما يستنبط من حيث إنّه لا قرينة على إرادة الخاصّ و إرادة بعض الأفراد من غير تعيين ينافي غرض الإفادة و سياق البيان و الحكمة فلا بدّ من حمله على الاستغراق و العموم هاهنا ليس كذلك أي من حيث إنّه لا قرينة على إرادة الخاصّ بوجوده ما يصلح أن يكون على إرادة خصوص ما كان متعارفا في زمان صدور الأخبار أعني من القرينة شيوع ذلك و علّته لأنّ الشّائع في ذلك الزّمان الغناء على سبيل اللّهو من الجواري المغنّيات و غيرهنّ في مجالس الفجور و الخمور و غيرها فحمل المفرد على تلك الأفراد الشّائعة في ذلك الزّمان غير بعيد و في عدّة من تلك الأخبار إشعار بكونه لهوا باطلا و صدق ذلك في القرآن و الدّعوات و المقروّة بالأصوات الطّيبة المذكّرة للآخرة و المهيّجة للأشواق إلى عالم القدس محلّ تأمّل فإذا إن ثبت إجماع في غير الغناء على سبيل اللّهو كان متّبعا و إلّا بقي حكمه على أصل الإباحة و طريق الاحتياط واضح و المشهور بين الأصحاب استثناء الحداء و هو سوق الإبل بالغناء لها و لا أعلم حجّة عليه إلّا أن يقال بعدم شمول أدلّة المنع له و اختلفوا في فعل المرأة له في الأعراس إذا لم تتكلّم بالباطل و لم تعمل بالملاهي و لم تسمع صوتها الأجانب من الرّجال فأباحه جماعة منهم الشّيخان و كرهه القاضي و ذهب جماعة منهم ابن إدريس و العلّامة إلى التّحريم استنادا إلى أخبار مطلقة و وجوب الجمع بينها و بين الصّحيح الدّالّ على الجواز يقتضي المصير إلى الأوّل و عن بعضهم استثناء مراثي الحسين عليه السّلام و هو غير بعيد هذا تمام ما ذكره في كتاب التّجارة و قال في كتاب الشّهادات عند تعداد المحرّمات و هذا عين ألفاظه و منها الغناء و لا خلاف بين الأصحاب في تحريمه و كذا في تحريم استماعه و الأخبار في هذا الباب من طريقنا يكاد يبلغ حدّ التّواتر و يدلّ عدّة منها على كونه كبيرة أوعد اللَّه عليه النّار و اختلف كلام أهل اللّغة و الفقهاء في تفسيره فمنهم من اعتبر فيه مجرّد الأطراب و منهم من اعتبر مجرّد التّرجيع و منهم من جمع بين الأمرين و منهم من اعتبر فيه التّسمية العرفيّة فما سمّى في العرف غناء فهو حرام و الظّاهر أنّ ما اجتمع فيه الأطراب و التّرجيع فهو غناء و الطّرب على ما قاله الجوهري و غيره خفّة تصيب الإنسان بسبب حزن أو سرور و التّرجيع ترديد الصّوت في الحلق و الظّاهر أنّه يحصل بتكرير الألفاظ و الأصوات بالنّغمات و المشهور بين المتأخّرين أنّه لا فرق في كون الغناء في القرآن أو الشّعر أو الخطبة أو غيرها و قد مرّ الكلام فيه في كتاب التّجارة و استثنى الأصحاب من الغناء المحرّم الحداء و استثنى بعضهم مراثي الحسين ع و لعلّ مستنده ما دلّ على جواز النّوحة عليه يعني على الحسين عليه السّلام أو مطلقا غير مقيّد بكونها عليه عليه السّلام أو مطلقا مع أنّ الغالب اشتمال النّوحة على الغناء و هو غير بعيد انتهى كلامه رفع في الخلد أعلامه و كلامه في كلّ واحد من المقامين خال عن ذكر الأخبار الدّالّة على جواز الغناء في غير القرآن و إنّما هو قدّس سرّه بعد أن أشار إلى كثرة الأخبار الدّالة على حرمة الغناء مطلقا و تظافرها ذكر الأخبار المتخالفة جوازا أو منعا في خصوص القرآن اللَّهمّ إلّا أن يكون نظر المصنف قدّس سرّه في ذلك إلى ما ذكره صاحب الكفاية في ضمن الإخبار من رواية ابن سنان عن رسول اللَّه ص لم يؤت أمّتي أقلّ من ثلاث الجمال و الصّوت الحسن و الحفظ و رواية أبي بصير عنه ص أنّ من أجمل الجمال الشّعر الحسن و نغمة الصّوت الحسن فإنّهما بإطلاقهما يدلّان على جواز تحسين الصّوت في ما استظهر قدّس سرّه عدم وجوده بدون الغناء و عدم الحرمة في غير القرآن أيضا فتأمّل و كيف كان فهو خال عن قوله و يؤيّده رواية عبد اللَّه بن سنان إلى قوله و ثانيهما و كذلك أيضا خال عمّا حكاه عنه بقوله ثمّ ذكر رواية عليّ بن جعفر إلى قوله و في عدّة من أخبار المنع و كذلك حال عن قوله على أنّ التعارض إلى قوله ثمّ إنّ ثلث إلى آخره مع كون الموجود في كلامه
فإذا بدل ثمّ و على أيّ حال فحاصل ما ذكره في أوّل وجهي الجمع تعميم الغناء للصّوت اللّهوي و غيره و تسليم صدقه في القرآن أيضا و تخصيص عمومات المنع عن الغناء على الإطلاق ببعض أفراد التّغنّي بالقرآن و هو التّغنّي به لا على سبيل اللّهو بما دلّ من الأخبار على جوازه في القرآن على الإطلاق من حيث كونه على سبيل اللّهو أم لا بعد الجمع بينه و بين ما دلّ على عدم جوازه في القرآن من جهة الذّمّ عليه بحمل إطلاق الأوّل على ما إذا كان لا على سبيل اللّهو و إطلاق الثّاني على ما إذا كان على سبيل اللّهو و فيه أنّ مقتضى قواعد التّعارض في المقام تساقط الخاصّين المتخالفين جوازا و منعا في خصوص القرآن و الرّجوع إلى الإطلاقات المانعة عن الغناء في القرآن و غيره و بالجملة ما ذكره من الجمع بين دليلي الغناء في القرآن لا شاهد عليه فلا عبرة لا يقال رواية عبد اللَّه بن سنان اقرءوا القرآن بألحان العرب و أصواتها و إيّاكم و لحون أهل الفسوق و الكبائر من جهة التّفصيل فيها بين نحوي الغناء في القرآن بالأمر بأحدهما و التّحذير عن الآخر تصلح للشّهادة على الجميع المذكور لأنّا نقول إنّ هذه الرّواية لم تذكر إلّا في ضمن العبارة الّتي حكاها المصنف عنه بقوله و يؤيّده إلى آخرها و قد عرفت خلو كلامه عنها بالمرّة فيبعد أن يكون نظره في الجمع إليها لأنّ ذكرها حينئذ هو الأنسب بل المهمّ و على تقدير وجود تلك العبارة أيضا نمنع أن يكون نظره إليها حيث إنّه جعلها مؤيّدة لا شاهدة و لعلّ الوجه فيه على تقدير الوجود احتمال أن يكون اللّحن فيها بمعنى اللّغة أي اللّهجة كما حكاه فيما بعد عن صاحب الحدائق أو احتمال أن يراد منه إظهار محسّنات القراءة من التّفخيم و الإدغام و الإظهار و نحو ذلك كما قال به العلّامة المجلسي قدّس سرّه على ما حكي عنه و عليهما لا يكون لها ربط بمسألة الغناء لا يقال كيف يكون نظره في التّعبير بالتّأييد إلى هذا الاحتمال و سيجيء من المصنف قدّس سرّه أنّه صرّح في شرح قوله ع اقرءوا القرآن بألحان العرب إنّ اللّحن هو الغناء لأنّا نقول ليس من هذا الكلام الّذي يذكره المصنف عين و أثر في الكفاية لا في التّجارة و لا في الشّهادات هذا و لكن