هداية الطالب الى اسرار المكاسب ط قديم - الشهيدي التبريزي، الميرزا فتاح - الصفحة ٧٣ - الأولى إشكال الفيض الكاشاني في أصل الحكم
و الزّهد و الفضائل الّتي ليست بغناء فأمّا الغناء فمحظور و في رواية عبد اللَّه بن سنان و إيّاكم و لحون أهل الفسوق و أهل الكبائر و سيجيء من بعدي أقوام يرجّعون القرآن ترجيع الغناء و الرّهبانيّة و النّوح و لا يجاوز حناجرهم مقلوبة قلوبهم و قلوب الّذين يعجبهم شأنهم و في بعض الرّوايات في ذكر أشراط السّاعة و يتغنّون بالقرآن (لعلّ نظره في ذلك إلى ما رواه القمي في تفسيره عن ابن عبّاس قال حججنا مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله حجّة الوداع فأخذ بحلقة باب الكعبة ثمّ أقبل علينا بوجهه فقال ألا أخبركم بأشراط السّاعة فكان أدنى النّاس منه يومئذ سلمان فقال بلى يا رسول اللَّه فقال إنّ من أشراط القيامة إضاعة الصّلاة إلى أن قال فعندها يكون أقوام يتعلّمون القرآن لغير اللَّه و يتّخذونه مزامير و يكون أقوام يتفقّهون لغير اللَّه و يكثر أولاد الزّنا و يتغنّون بالقرآن و الرّواية طويلة مشتملة على علامات كثيرة ذكرها في الصّافي في ذيل قوله تعالى شأنه في سورة محمّد صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها و ارتكاب التّأويل في هذه الأخبار ما عدا الأخيرين بحيث يجتمع مع القول بتحريم الغناء في القرآن يحتاج إلى تكلّف بيّن و الشّيخ أبو جعفر الطّبرسي قال في كتاب مجمع البيان الفنّ السّابع في ذكر ما يستحبّ للقاري من تحسين اللّفظ و تزيين الصّوت بقراءة القرآن و نقل روايات من طريق العامّة (و هي أحدها رواية البراء بن عازب قال قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله زيّنوا القرآن بأصواتكم و ثانيها رواية حذيفة بن اليمان قال قال رسول اللَّه ص اقرءوا القرآن بلحون العرب و أصواتها و إيّاكم و لحون أهل الفسوق و أهل الكتابين و سيجيء قوم من بعدي يرجّعون القرآن ترجيع الغناء و الرّهبانيّة لا يجاوز حناجرهم مفتونة قلوبهم و قلوب الّذين يعجبهم شأنهم و هذه الرّواية موافقة لما يأتي ممّا رواه ابن سنان إلّا في بعض الألفاظ كما نشير إليه فيما بعد و ثالثها رواية علقمة بن قيس قال كنت حسن الصّوت بالقرآن و كان عبد اللَّه بن مسعود يرسل إليّ فأقرأ عليه فإذا فرغت قال زدنا من هذا فداك أبي و أمّي فإنّي سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله يقول إنّ حسن الصّوت زينة للقرآن رابعها رواية أنس بن مالك عن النّبي صلّى اللَّه عليه و آله إنّ لكلّ شيء حلية و حلية القرآن الصّوت الحسن و خامسها رواية عبد الرّحمن المذكورة في المتن) حتّى نقل رواية عبد الرّحمن بن (السّائب كذا في المجمع) الثّابت قال قدّم علينا سعد بن أبي وقّاص فأتيته مسلّما عليه فقال مرحبا بابن أخي بلغني أنّك حسن الصّوت بالقرآن قلت نعم و الحمد للّه قال إنّي سمعت رسول اللَّه ص يقول إنّ القران نزل بالحزن فإذا قرأتموه فابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا و تغنّوا به فمن لم يتغنّ بالقرآن فليس منّا و تأوّل بعضهم تغنّوا به بمعنى و استغنوا به و أكثر العلماء على أنّه تزيين الصّوت و تحزينه انتهى و هذا يدلّ على أنّ تحسين الصّوت بالقرآن و التّغنّي به مستحبّ عنده و أنّ خلاف ذلك لم يكن معروفا بين القدماء فيه منع واضح لأنّه إنّما يدلّ عليه لو كان بين تحسين الصّوت و تحزينه و بين التّغنّي ملازمة و هي ممنوعة فغاية ما يدلّ عليه ما نسبه إلى أكثر العلماء في معنى التّغنّي مع عدم التّعرّض له الظّاهر في ارتضائه له هو استحباب تحسين الصّوت و تحزينه بالقرآن للخبر المذكور المحمول على الاستحباب للقطع بعدم وجوب التّحسين و التّحزين و كلام السّيّد المرتضى قدّس سرّه في الغرر و الدّرر لا يخلو عن إشعار واضح بذلك قال السّيّد عبد الكريم الجزائري في رسالة صنّفها في المسألة موسومة بكشف الغطاء عن حال الغناء في ضمن الإشكالات على عبارة الكفاية إنّ الظّاهر في اسم الكتاب تنكير الغرر و إضافته إلى الدّرر و قد رأيته كذلك بخطّ بعض الفحول و هذه من قبيل إضافة الصّفة إلى الموصوف و هذا أنسب بحسب المعنى و كيف كان لا إشعار في كلام السّيّد باستحباب التّغنّي بالقرآن بالمعنى المعروف للغناء بل الظّاهر منه عدم ارتضائه له منه من جهة إعراضه عن التّعرّض به في مقام استحسان ما ذكر في معنى التّغنّي بالقرآن من الوجوه حيث إنّه قدّس سرّه ذكر فيه وجوها أربعة أحدها ما نقله عن أبي عبيدة و هو كون التّغنّي بمعنى الاستغناء و الثّاني ما نقله عن غيره و هو كونه بمعنى تحسين الصّوت و ترجيعه و الثّالث ما نقله عن ابن الأنباري و هو كونه بمعنى التّلذّذ و الاستعذاب
و الاستحلاء يعني من لم يتلذّذ بالقرآن كما يتلذذ المغنّي بالغناء فليس منّا و الرّابع ما خطر بباله من أنّ التّغنّي من غني الرّجل بالمكان إذا طال مقامه به في قوله تعالى كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ أي لم تقم و قال قبل ذكر المعنى الرّابع و جواب أبي عبيدة أحسن الأجوبة و جواب أبي بكر أبعدها و لم يتعرّض لاستحسان الثّاني و هو ظاهر في الإعراض عنه بل كلامه في آخر العبارة نصّ في بطلانه حيث قال لأنّه محال أن يخرج عن دين النّبي ص و ملّته من لم يحسن صوته بالقرآن و ترجّع فيه أو لم يتلذّذ بقراءته انتهى أقول قد أخذ قدّس سرّه هذا الّذي ذكره في وجه بطلان الثّاني من كلام أبي عبيدة في مقام بيان ما اختاره في معنى التّغنّي حيث قال في ذيل كلامه على ما حكاه السّيّد عنه و لو كان معناه التّرجيع لطمت المحنة علينا بذلك إذا كان من لم يرجّع بالقرآن ليس منه عليه السّلام قلت لا يخفى عليك أنّ جميع هذه الوجوه مخالفة لظاهر لفظ التّغنّي إلّا الثّاني الّذي نسبه الطّبرسي في كلامه المنقول في المتن إلى أكثر العلماء فلا بدّ من الحمل عليه إلّا إذا كان هناك قرينة على عدم إرادته و ليس إلّا الحكم على تاركه بأنّه ليس منّا و هو لا ينافي إرادة المعنى الظّاهر من التّغنّي إلّا إذا كان معناه أنّه من ديننا و على ملّتنا و هو ممنوع بل معناه أنّه ليس مشاركا معنا في عملنا و هو التّغنّي بالقرآن بمعنى تحسين الصّوت به و ترجيعه على نحو يوجب الحزن و الخفّة النّاشي عن الحزن قبال كونه على نحو يوجب السّرور و الخفّة النّاشي منه كما يقتضيه عطف تغنّوا على تباكوا فإنّا نعمله في القرآن و هو لا يعمله ثمّ لا يخفى أنّ ما استظهره في اسم الكتاب اشتباه نشأ من الغفلة عن اسم الكتاب غرر الفوائد و درر القلائد و إنّما حذف المضاف إليه في الموضعين و عوّض عنه باللّام للاختصار فقيل الغرر و الدّرر و في الكافي في باب ترتيل القرآن بالصّوت الحسن أورد أكثر الأخبار المذكورة و أنت تعلم طريقة القدماء و حينئذ نقول يمكن الجمع بين هذه الأخبار و الأخبار الكثيرة