هداية الطالب الى اسرار المكاسب ط قديم - الشهيدي التبريزي، الميرزا فتاح - الصفحة ٦١ - التيمن بذكر الأخبار
أن يكون فعلا للمكلّف و ليس هو هنا إلّا هو بالمعنى المصدري و يؤيّده التّعبير عن أخواته في المسائل السّابقة بالمصادر مثل التّدليس و التّزيين و التّصوير فما عن الرّوضة و الرّياض من ضبطه بالكسر ليس في محلّه و كيف كان فالغشّ بالكسر عبارة عن عدم الخلوص عمّا يرغب عنه و بالفتح عبارة عن عدم إخلاصه يقال كلام مغشوش و لبن مغشوش أي غير خالص عمّا ليس من سنخه و جنسه و غير ممحّض للنّصح و لا يعتبر في مفهومه لغة و عرفا مجهوليّة الواقع لعدم تفاوت صدقه في حالتي الخفاء و الجلاء و لذا يتوارد عليه العلم و الجهل و يقال علمت بالغشّ و جهلت به و دعوى تجريده عن قيد الخفاء حينئذ كما ترى و يعلم ذلك بمراجعة العرف فلا يصغى إلى ما في بعض الحواشي من اعتبار مجهوليّة الواقع في أصل حقيقته نعم يعتبر ذلك في الحرمة كما سيأتي و لا ينبغي الارتياب في أنّ موضوع الحرمة ليس الغشّ بهذا المعنى الّذي ذكرناه لأنّ خلط اللّبن بالماء مثلا لغرض من غير أن يدفعه إلى آخر غشّ و لذا يقال لبن مغشوش مع أنّه ليس بحرام و كذلك لو خلطه به لأن يشرب ثمّ بدا له أن يبيعه فباعه من دون الإعلام بالخلط حيث إنّه ما لم يرد البيع عليه ما فعل حراما و كان الخلط و المزج مباحا فلا بدّ أن يكون هذا الفعل السّابق على البيع بعده أيضا كذلك و إلّا يلزم انقلاب الواقع عمّا هو عليه و إنّما الموضوع للحرمة هو إيقاع الغير في خطر مخالفة الواقع المقصود و يعبّر عنه في الفارسيّة- بگول زدن و فريب دادن- و هذا المعنى و إن لم يوضع له اللّفظ لغة إلّا أنّه لمّا كان المعنى اللّغوي من جملة مقدّماته بالنّسبة إلى من أخذ المغشوش جاهلا بعدم خلوصه صحّ استعمال الغشّ فيه بطور الكناية و هذا المعنى هو المراد منه كلّما نسب إلى مفعول عاقل شاعر مثل غشّ فلان زيدا و من هذا القبيل الأخبار الواردة في المسألة لا معناه اللّغوي ألا ترى أنّ أهل العرف ينفون الغشّ في غير المغرور و لا يطلقونه بمجرّد عدم الخلوص بدون المغروريّة و تراهم أيضا ينفونه عمّا لو كان المزج بما لا يخفى أو أخبره بمزج ما يخفى و هذا يدلّ على أنّ المراد منه في الموارد الّتي ذكرنا الضّابط فيها ما يصحّ نفيه في الصّورة المذكورة و هو منحصر في إيقاع الغير في خطر مخالفة الواقع و هذا هو موضوع الحرمة و الذّمّ و العقوبة و قد اعتبر في هذا المعنى من حيث المفهوم جهل المغشوش عليه بواقع الأمر و إلى هذا الشّرط يرجع اعتبار كون المزج بما يخفى بدعوى أنّ من اعتبر ذلك إنّما أراد ما ذكرناه من الجهل بطور الكناية لأجل الملازمة بينه و بين الجهل غالبا و إلّا فلا وجه لاعتباره في صورة المزج بما لا يخفى شأنا فيما إذا اتّفق الجهل به و من هنا ظهر الوجه في تقييد بعضهم له بقوله بما لا يخفى و أنّ مراده من ذلك الجهل بالواقع فيكون قرينة على كون المراد من الغشّ الّذي هو موضوع الحرمة هو الإيقاع في الخطر إذ الجهل بالواقع من مقوّمات الغشّ بهذا المعنى فتأمل ثمّ إنّه قد أخذ في مفهومه أيضا استناد وقوع الغير في الضّرر و الخطر إلى الغاشّ بمعنى أنّه لا بدّ في تحقّقه بالمعنى المصدري استناده إليه و نشوؤه منه و يكفي في ذلك مجرّد عدم بيان الواقع مع دفع المغشوش إلى الغير و إن صدر المزج مثلا من غير البائع الدّافع أو حصل من دون مباشرة أحد بل اتّفق قهرا و بالجملة لمّا كان الغشّ بالمعنى الّذي هو موضوع الحرمة من الأمور التّوليديّة يكفي في إسناده إلى شخص استناد الجزء الأخير من العلّة التّامّة إليه أعني عدم البيان فما يستفاد من بعض الحواشي من عدم صدق الغشّ فيما لو اتّفق المزج مثلا بفعل الغير أو بسبب من جانب اللَّه تعالى و باعه شخص بدون البيان ليس في محلّه و من هنا يعلم أن بيع المعيب بدون البيان فيما لم يحصل العلم بالعيب نوعا غشّ و لو لم يكن العيب بفعله و لم يتعرّض لإظهار الكمال أو إخفاء العيب فتلخّص أنّ موضوع الحرمة هو إيقاع الغير في خطر مخالفة الواقع و قد اعتبر فيه جهل الغير بمغشوشيّة ما دفع إليه و استناده إلى الغاشّ و لعلّه يمكن أن يقال إنّ الجهل معتبر في تحقّق ذاك الاستناد ثمّ إنّ المصنف احتمل في عروض الحرمة لذاك الموضوع اعتبار كون الغاشّ قاصدا لوقوع الغير في خلاف الواقع فلا يحرم بدونه و حكي القول به
عن صاحب الرّياض و المستند في ذلك مضافا إلى الأصل مع دعوى اختصاص النّصوص بحكم التّبادر بصورة القصد هو رواية الحلبي قال سألت أبا عبد اللَّه ع عن الرّجل يشتري طعاما فيكون أحسن و أنفق أن يبلّه من غير أن يلتمس فيه زيادته فقال ع إن كان بيعا لا يصلحه إلّا ذلك و لا ينفقه غيره من غير أن يلتمس زيادة فلا بأس و إن كان إنّما يغشّ به المسلمين فلا يصلح وجه الدّلالة أنّ المراد من الفقرة الأخيرة بمقتضى المقابلة أنّه إن كان يلتمس و يقصد ببلّ الطّعام ما ينطبق عليه عنوان الغشّ و هو زيادة الطّعام به في مورد الرّواية فلا يحلّ فتكون الحرمة معلّقة على قصد الغشّ هذا و لكنّ الأقوى عدم اعتباره في حرمته أمّا لغة و عرفا فواضح و لذا لم يدّعه أحد و أمّا شرعا فلإطلاق الأدلّة و دعوى انصرافها إلى صورة القصد في حيّز المنع و مع ذلك لا مجال للأصل و أمّا رواية الحلبي فهي أجنبيّة عن الدّلالة على اعتبار القصد في المقام و إنّما الغرض منها بيان ما هو مقدّمة الحرام و ذلك لأنّه لا شبهة في أنّ بلّ الطّعام و لو لالتماس الزّيادة ليس بغشّ و إنّما الغشّ هنا بيع الزّائد مع نقصه في الواقع بدون الإعلام و إلّا يلزم كونه غشّا و لو بدا له و لم يبع و هو كما ترى و حينئذ يكون البلّ مقدّمة للغشّ كما أنّه مقدّمة للحسن و الإنفاق فيكون السّؤال عن حال المقدّمة و إنّ بلّ الطّعام لغرض الإنفاق لا لغرض تحقّق الغشّ و إن كان يترتب عليه الغشّ ببيع المبلول هل هو في حدّ نفسه مع قطع النّظر عن بيع المبلول جائز أم لا فأجاب ع أن بلّ الطّعام جائز فيما لو لم يقصد به التّوصّل إلى الحرام و إلّا فيكون البلّ حراما و لو اتّفق بعد ذلك عدم وجود الحرام و اعتبار القصد في حرمة مقدّمة الحرام لا ربط له باعتباره في نفس الحرام
[التيمن بذكر الأخبار]
قوله قدّس سرّه و في عقاب الأعمال إلى آخره أقول وجه الاستدلال بذلك على حرمة الغشّ أمّا بالفقرة الأولى فلأنّ موضع الدّلالة منها قوله ع فليس منّا بتقريب أنّ المراد منها نفي كون الغاشّ من المسلمين و لا يكون ذلك إلّا لشدّة مبغوضيّته و حرمته و أمّا بالفقرة الثّانية فلأنّها و إن كان يتوهّم عدم دلالتها على المطلب بملاحظة أنّ ما يستفاد منه إنّما هو ترتّب