هداية الطالب الى اسرار المكاسب ط قديم - الشهيدي التبريزي، الميرزا فتاح - الصفحة ١١٩ - النوع الخامس مما يحرم التكسب به ما يجب على الإنسان فعله
يعبد بها أحد بقوله عزّ شأنه عبادتي من حيث أريد لا من حيث تريد و منها تصوير الجامع بين الأفراد الصّحيحة و الفاسدة كي يكون هو الموضوع له لألفاظ العبادات على الأعمى و التّفصيل في الأصول و إن أردت الاطّلاع عليه فراجع إلى ما علّقناه على الكفاية فترى بطلان جميع الوجوه الّتي ذكروها في مقام تصوير الجامع بناء عليه و أنّ الوجه الصّحيح الّذي لا محيص عنه هو ما ذكرناه و منها كراهة بعض العبادات الّتي لا بدل لها كالصّلاة عند طلوع الشّمس و غروبها إلى غير ذلك من المسائل الأصوليّة و الفقهيّة هذا ملخّص ما ذكره مدّ ظلّه العالي لا يقال إنّ الأمر و إن كان ما ذكره مدّ ظلّه و يرتفع به الإشكال عن جملة من المسائل إلّا أنّه لا يجدي في رفع الإشكال عن المقام و ذلك لأنّ الخضوع الّذي هو مثل التّعظيم بل من أوضح أفراده إنما هو من الأمور القصديّة بمعنى أنّ فعلا من الأفعال الخارجيّة لا يعنون بعنوان الخضوع كيفما اتّفق و بأيّ وجه وقع بل لا بدّ فيه من القصد إلى حصول الخضوع به مثلا السّجود الّذي هو من أعظم أفراد التّعظيم ينتزع منه عنوان الخضوع و التّعظيم إذا أتي بداعي الخضوع و كان الغرض من إيجاده حصول ذاك العنوان لا ما إذا أتي به بداعي تحليل الغذاء أو التّخفّي من العدوّ و ما أشبههما من الدّواعي فإنّه لا ينتزع منه الخضوع قطعا فالعبادة و الخضوع لا يحصل إلّا بكون الدّاعي إلى الفعل الخارجي هو تحقّق الخضوع به و حينئذ يئول هذا التّوجيه إلى مسألة الدّاعي إلى الدّاعي و قد مرّ الكلام فيه و في بطلانه لأنّا نقول إنّ هذا ناش من قلّة التّأمّل في مرامه مدّ ظلّه أو سوء الفهم و ذلك لأنّ مراده أنّ الأجرة تجعل الخضوع الّذي لم يكن غرضا للخاضع غرضا له فتدعو إلى الفعل الّذي ينتزع منه الخضوع توضيح ذلك أنّ علّة صدور الفعل عن الفاعل باختياره و إرادته لا بدّ من وجودها قبل صدوره كما هو قضيّة العلّية و المعلوليّة إمّا في ظرف الخارج كالطّمع في الجنّة و الخوف من العقاب بالقياس إلى الإطاعة و إمّا في ظرف الذّهن و عالم التّصوّر و اللّحاظ و على الثّاني إمّا أن يكون وجوده الخارجي أيضا قبل وجود المعلول و ذلك مثل أمر المولى بإتيان فعل أو محبوبيّته أو حسنه الذّاتي و إمّا لا يكون كذلك بل يكون بذاك الوجود متأخّرا عنه و إن كان لا بدّ من تقدّمه بالوجود اللّحاظي و يسمّى هذا بالعلّة الغائية فهذه أقسام ثلاثة و القسم الأوّل و الثّاني لا يعقل فيه مسألة الدّاعي إلى الدّاعي بمعنى أنّ شيئا علّة كالأمر مثلا مع كونه لصدور الفعل عن الفاعل و حركته إليه يكون معلولا للشيء الآخر كأخذ الأجرة مثلا و ذلك لأنّ الدّاعي الأوّل أعني أخذ الأجرة إمّا أن يكون علّة لأصل وجود الدّاعي الثّاني أعني الأمر ففيه أنّه خلف إذ المفروض وجوده قبل وجوده و إمّا أن يكون علّة لعليّته و داعويّته بمعنى أنّه لم يكن فيه وصف العلّية و إنما حدث ذلك فيه ببركة الدّاعي الأوّل فإن كان المراد أنّ الدّاعي الثّاني مع انضمام الدّاعي الأوّل بوجوده الخارجي أو الذّهني يصير علّة لحركة العبد إلى جانب الفعل ففيه أنّه غلط محض لأنّهما حينئذ يكونان في عرض واحد بالنّسبة إلى مسألة العلّية و الدّاعويّة لأنّ دخالة الدّاعي الأوّل في عليّة الدّاعي الثّاني لا بدّ أن تكون بنحو الشّرطيّة و معلوم أنّ أجزاء العلّة التّامّة لا بدّ و أن يكون بعضها في عرض الآخر فيخرج عن كونه من قبيل الدّاعي إلى الدّاعي الّذي لا بدّ فيه من كون أحدهما في طول الآخر و إن كان المراد أنّه حين تحقّق الدّاعي الأوّل إنما يصير بانفراده علّة تامّة للحركة إلى العمل ففيه أنّه بدون المدخليّة محال و معها يرجع إلى الشّق الأوّل و هذا بخلاف القسم الثّالث فإنّ مجرّد العلم به و التّصوّر له ليس علّة لصدور الفعل من الفاعل بل لا بدّ فيه من أن يتعلّق غرض الفاعل به بوجوده الخارجي بحيث لولاه لما حرّكه إليه و لا إشكال في أن تعلّق غرض الإنسان بشيء خاصّ لا بدّ له من جهة راجعة إمّا إلى المولى أو غيره نفس الفاعل أو غيره و بعبارة أخرى أنّ العلّة في القسم الثّالث هو كون الشّيء الملحوظ حين العمل غرضا و مقصدا للفاعل بوجوده الخارجي بحيث إذا حصل و لو لأجل علّة حرّك الفاعل نحو الفعل إذا عرفت ذلك نقول إنّه بناء على ما ذكره شيخنا الأستاد و اخترناه من كون المدار في عباديّة العبادة على الخضوع أي على صدور الفعل
لغرض الخضوع و بداعيه لا إشكال في عدم منافاة أخذ الأجرة بعباديّة العباد لأنّ غاية ما يحصل بواسطة الأجرة إنما هو صرف تعلّق الغرض بما لو تعلّق به قبل لكان محرّكا إليه أعني تحقّق الخضوع بذلك الفعل لا جهة عليّته و بعبارة أخرى أنّ الأجرة علّة لحدوث ما هو العلّة للفعل الّتي لو اتّفق حصولها قبلها لأراد الفاعل للفعل فالعلّة التّامّة لصدور الفعل منه صرف كون حصول الخضوع به غرضا له غاية الأمر إنما حدث ذلك ببركة الأجرة و ذلك لا يضرّ بعليّة التّامّة لا يقال لو كان الأمر كذلك للزم أن يتحرّك إلى الفعل حتّى بعد العمل لوجود علّة الحركة و ليس كذلك بل برفع اليد عن العمل بمجرّد العلم به و يكشف ذلك عن أنّ علّة الإقدام هو تحصيل الأجرة و لا أقلّ من المدخليّة لأنّا نقول إنّ هذا لو كان علّة الإتيان و هو تعلّق الغرض بحصول الخضوع به باقية بعد ذلك و ليس كذلك لأنّه بقاء و ارتفاعا تابع لبقاء العلم بوصول الأجرة و لا أقلّ من رجائه و عدمه و هذا بخلاف ما إذا كان البناء في عباديّة العبادة على ما هو المعروف بين القوم من كون المحرّك إليه هو خصوص أهليّة المولى لها أو أمره بها دون غيرهما حتّى الثّواب و العقاب كما نسبه المولى المحقّق المحدّث الكاشاني قدّس سرّه في باب نيّة العبادة من الوافي إلى كثير من علمائنا و حكي عن الفخر الرّازي نقل اتّفاق المتكلّمين على بطلان العبادة المقصود بها الثّواب أو التّخلّص من العقاب عند تفسير قوله تعالى ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَ خُفْيَةً و جزمه في أوائل تفسير الفاتحة فلا شبهة في منافاة الأجرة للعباديّة حتّى بنحو الدّاعي إلى الدّاعي لأنّه حينئذ يكون من أحد القسمين الأوّلين الّذي قد عرفت أنّه لا يعقل فيهما الدّاعي إلى الدّاعي و هكذا الكلام لو عمّم المحرّك إلى الفعل لهما و للطّمع في الثّواب و الخوف من العقاب و المحبوبيّة و الحسن الذّاتيين و كذا الكلام في محركيّة الامتثال و التّقرّب إذ مرجع الأوّل إلى محركيّة الأمر و أمّا الثّاني فلمّا كان التّقرّب ليس ممّا يترتّب على ذات الفعل بأيّ وجه اتّفق وجوده في الخارج بل كان من آثار العبادة فلا بدّ من إرجاعه إمّا إلى