هداية الطالب الى اسرار المكاسب ط قديم - الشهيدي التبريزي، الميرزا فتاح - الصفحة ٧٢ - الأولى إشكال الفيض الكاشاني في أصل الحكم
من فسّر بتحسين الصّوت و يظهر ذلك من بعض عبارات أهل اللّغة و الظّاهر أنّ في الغالب لا ينفكّ التّحسين من الوصفين المذكورين (معنى التّرجيع و الإطراب) و منهم من فسّر بمدّ الصّوت و منهم من قال من رفع صوتا و والاه فهو غناء و لعلّ الإطراب و التّرجيع مجتمعان غالبا و قيل ما يسمّى غناء عرفا و إن لم يشتمل على القيدين و لا خلاف عندنا في تحريم الغناء في الجملة و الأخبار الدّالّة عليه متظافرة و صرّح المحقّق و جماعة ممّن تأخّر عنه بتحريم الغناء و لو كان في القرآن لكن غير واحد من الأخبار يدلّ على جوازه بل استحبابه في القرآن بناء على دلالة الرّوايات على جواز حسن الصّوت و التّحزين و التّرجيع في القرآن بل استحبابه و الظّاهر أنّ شيئا منها لا يوجد بدون الغناء على ما استفيد من كلام أهل اللّغة و غيرهم و فصّلناه في بعض رسائلنا ففي مرسلة ابن أبي عمير عن الصّادق عليه السّلام أنّ القرآن نزل بالحزن فاقرأه بالحزن و قال السّيّد سبط الجزائري قدّس سرّه في كشف الغطاء لعلّ معنى نزول القرآن بالحزن كون جبرئيل ع حزينا عند نزوله روى عليّ بن إبراهيم عن الصّادق عليه السّلام قال ما أتى جبرئيل إلّا كئيبا حزينا و لم يزل كذلك منذ أهلك اللَّه فرعون فلمّا أمر اللَّه تعالى بنزول الآن و قد عصيت الآيات نزل ع و هو ضاحك مستبشر فقال له رسول اللَّه ص ما أتيتني إلّا تبيّنت الحزن في وجهك إلّا هذه السّاعة قال نعم يا محمّد لمّا غرق اللَّه فرعون قال آمنت أنّه لا إله إلّا اللَّه الّذي آمنت به بنو إسرائيل و أنا من المسلمين فأخذت حمأة فوضعتها في فمه ثمّ قلت له الآن و قد عصيت قبل و كنت من المفسدين و عملت ذلك من غير إذن اللَّه ثمّ خفت أن تلحقه الرّحمة من اللَّه عزّ و جلّ و يعذّبني اللَّه بما فعلت فلمّا كان الآن و أمرني أن أؤدّي إليك ما قلت أنا لفرعون آمنت و علمت أنّ ذلك كان للّه رضى انتهى موضع الحاجة و فيه أنّه يعارضه رواية أخرى لعليّ بن إبراهيم نقلها بعد الرّواية السّابقة عن أبي بصير عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال قلت له يا ابن رسول اللَّه خوّفني فإنّ قلبي قد قسا فقال يا محمّد استعدّ للحياة الطّويلة فإنّ جبرئيل جاء إلى رسول اللَّه ص و هو قاطب و قد كان قبل ذلك يجيء و هو متبسّم فقال رسول اللَّه ص يا جبرئيل جئتني اليوم قاطبا قال يا محمّد ص وضعت منافخ النّار فقال و ما منافخ النّار يا جبرئيل فقال يا محمّد إنّ اللَّه أمر بالنّار فنفخ عليها ألف عام حتّى ابيضّت الخبر فإنّ قوله و قد كان يجيء قبل ذلك و هو متبسّم مناف لقوله في الرّواية الأولى ما أتى جبرئيل إلّا كئيبا حزينا إلى آخره فيمكن أن يكون الوجه فيه ما كان يعتريه عليه ص حين نزول الوحي من الحال فإنّه لا يكون إلّا مع الخوف ممّا كان يشاهده من عظمته تعالى و هو يوجب الحزن فتأمّل و تدبّر قوله و الظّاهر أنّ إلى آخره أقول هذا بيان لوجه دلالة الرّوايات المجوّزة فتحسين الصّوت و تحزينه و ترجيعه في القرآن على جواز الغناء فيه و لا يخفى أنّ في دلالة بعض هذه الرّوايات الأربعة عشر المذكورة في المتن على ما ذكره من جواز تحسين الصّوت تأمّلا بل منعا و عن عبد اللَّه بن سنان عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال إنّ اللَّه أوحى إلى موسى بن عمران إذا وقفت بين يديّ فقف موقف الذّليل الفقير و إذا قرأت التّوراة فأسمعنيها بصوت حزين و عن حفص قال ما رأيت أحدا أشدّ خوفا على نفسه من موسى بن جعفر ع و لا أرجى للنّاس منه و كانت قراءته حزنا فإذا قرأ فكأنّه ع يخاطب إنسانا و في رواية عبد اللَّه بن سنان اقرءوا القرآن بألحان العرب و أصواتها و في رواية النّوفلي عن أبي الحسن ع قال ذكرت الصّوت الحسن عنده فقال إنّ عليّ بن الحسين ع كان يقرأ القرآن فربّما يمرّ به المارّ فصعق عن صوته إنّ الإمام ع لو أظهر من ذلك شيئا لما احتمله النّاس من حسنه الحديث و في رواية عبد اللَّه بن سنان عن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله لم يؤت أمّتي أقلّ من ثلاث الجمال و الصّوت الحسن و الحفظ و في رواية أبي بصير عن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله أنّ من أجمل الجمال الشّعر الحسن و نغمة الصّوت الحسن (الشّعر هنا بقرينة ذكر الجمال بفتح
الشّين لا بكسرها كما في النّبوي ص إنّ من الشعر لحكمة و كونه من الجمال أمّا في الرّجال فباستواء اللّحية و أمّا في النّساء فبطول شعر الرّأس و شدّة سواده قال إمرؤ القيس):
|
و فرع يزين المتن أسود فاحم |
أثيب كقنو النّخلة المتعثكل |
|
|
غدائره مستشزرات إلى العلى |
تظلّ العقاص في مثنّى و مرسل |
|
و في رواية عبد اللَّه بن سنان عن النّبي صلّى اللَّه عليه و آله لكلّ شيء حلية و حلية القرآن الصّوت الحسن و في رواية أخرى عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام ما بعث اللَّه نبيّا إلّا حسن الصّوت (قال السّيّد الماجد قدّس سرّه و السّر في ذلك أنّ أحسن الصّوت تابع لاعتدال المزاج كما برهن في موضعه و مزاج الأنبياء من أعدل الأمزجة انتهى) و في رواية أخرى عن أبي عبد اللَّه ع قال كان عليّ بن الحسين ع أحسن النّاس صوتا بالقرآن و كان السّقّاءون يمرّون ببابه يستمعون قراءته و في رواية أخرى عن أبي جعفر عليه السّلام (الرّواية في الكافي رواها عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن محبوب عن عليّ بن أبي حمزة عن أبي بصير قال قلت لأبي جعفر عليه السّلام إذا قرأت القرآن فرفعت صوتي جاءني الشّيطان فقال إنّما ترائي بهذا أهلك و النّاس قال يا أبا محمّد اقرأ ما بين القراءتين تسمع أهلك و رجّع إلى آخر ما ذكر في المتن) أقول في قوله اقرأ ما بين القراءتين إيماء إلى قوله تعالى وَ لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ إلى قوله تعالى وَ ابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا و في قوله تسمع أهلك تحديد لما بين القراءتين) رجّع بالقرآن صوتك فإنّ اللَّه عزّ و جلّ يحبّ الصّوت الحسن يرجّع فيه ترجيعا و روى معاوية بن عمّار في الصّحيح قال قلت لأبي عبد اللَّه ع الرّجل لا يرى أنّه صنع شيئا في الدّعاء و القرآن حتّى يرجّع صوته فقال لا بأس إنّ عليّ بن الحسين ع كان أحسن النّاس صوتا بالقرآن فكان يرفع صوته حتّى يسمعه أهل الدّار و إنّ أبا جعفر ع كان أحسن النّاس صوتا بالقرآن فقال إذا قام باللّيل و قرأ رفع صوته فيمرّ به مارّ الطّريق من السّقّاءين و غيرهم فيقيمون فيستمعون إلى قراءته و في الفقيه سأل رجل عليّ بن الحسين ع عن شراء جارية لها صوت فقال ما عليك لو اشتريتها فذكرتك الجنّة يعني بقراءة القرآن