هداية الطالب الى اسرار المكاسب ط قديم - الشهيدي التبريزي، الميرزا فتاح - الصفحة ١١٨ - النوع الخامس مما يحرم التكسب به ما يجب على الإنسان فعله
الدّاعي له إليه محبّة المولى لذاك الفعل المنكشف بالأمر لما تحقّق العبادة حاشا ثمّ حاشا و إلّا يلزم الالتزام بما لا يمكن الالتزام به من بطلان عبادة الأمير ع حيث كان الدّاعي له إلى العبادة بنصّ قوله ع بل وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك هو أهليته تعالى للعبادة حيث إنّ المستفاد منه أنّ الأهليّة علّة مستقلّة للعبادة و أن فرض انتفاء الأمر هناك و بعبارة أخرى أنا نقول إنّ المعتبر في صحّة العبادة أن يكون المحرّك التّامّ إلى إرادة صدور ذات الفعل هو خصوص ملاحظة المولى خاصّة أمّا صرف ذاته و هو أعلى المراتب و لا يصل إليه إلّا مثل أمير المؤمنين و أبناؤه المعصومين عليهم الصّلاة و السّلام أجمعين و أمّا فعل من أفعاله و صفة من صفاته و شأن من شئونه كان المولويّة و العظمة و القدرة و الخلقة و الإحياء و الإماتة و الرّزق و إدخال الجنّة و الإنجاء من النّار و حينئذ إمّا أن يكون الملحوظ في نظر العامل هو صرف طبيعة الصّفة كالرّزق مثلا من دون لحاظ تعلّقه به و إضافته إلى نفسه فهو أوسط المراتب و إن كان الملحوظ هو الصّفة و لكن بعنوان إضافتها إليه فهو أدنى المراتب و على أيّ حال فداعويّة الأمور المذكورة إلى الفعل ليست أمرا آخر وراء داعويّة المولى و كونه هو العلّة التّامّة أ لا ترى أنّك لو مدحت شخصا أحسن إليك أو دفع عنك شرّ العدوّ لأجل صرف الإحسان أو لدفع الشّر من دون لحاظ شيء آخر صحّ تعليل المدح المذكور بالشّخص المزبور بأن يقال إنّ العلّة لهذا المدح هو ذاك الشّخص و من هنا نقول بصحّة العبادة لمجرّد الثّواب أو التّخلّص من العقاب أو لسعة الرّزق أو لغير ذلك من الأمور الدّنيويّة و الأخرويّة و لو لم يقصد أهليّة المولى و لا أمره أصلا و الدّليل عليه قول الأمير ع ما عبدتك خوفا من نارك و لا طمعا في جنّتك بل وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك إذ المستفاد من ذلك أنّ الأمور الثّلاثة المذكورة من حيث الدّاعويّة إلى العبادة في عرض واحد و كذا ما رواه الكليني عن أبي عبد اللَّه ع قال العباد ثلاثة قوم عبدوا اللَّه عزّ و جلّ خوفا فتلك عبادة العبد و قوم عبدوا اللَّه تبارك و تعالى طلب الثّواب فتلك عبادة الأجراء و قوم عبدوا اللَّه حبّا فتلك عبادة الأحرار و هي أفضل العبادة لأنّ قوله ع و هي أفضل العبادة نصّ في فضل العبادة لأجل الثّواب و دفع العقاب فضلا عن صحّتها و قد عرفت أنّ علّته أهليّته تعالى و كذا حبّه عزّ و جلّ لا يتوقّف على وجود أمر فكذا الباقي و إنما المحتاج إليه هو آلة العبادة و إحراز ما يتعبّد به و تمييزه عن غيره فبعد إحراز ذلك و لو بالأمر به لا حاجة في عباديّة العبادة إلّا إلى إتيانه لأجل المولى بنحو من الأنحاء الرّاجعة إليه و إن لم يلتفت حين الإتيان بالعمل إلى الأمر فضلا عن أن يكون داعيا إلى العمل فإن قلت هذا الّذي ذكرت لا يتمشّى فيما تنتهي الغاية الأخيرة إلى لحاظ غير المولى كمثال من يصلّي لأجل الولد لأجل أن يوجره لتحصيل الأجرة من المستأجر قلت هذا أيضا راجع إلى طلب الأجرة منه تعالى و لكن بتلك الواسطة فهو في الحقيقة يصلّي لأجل أن يعطيه اللَّه من أموال الغير بهذه الوسيلة فتأمّل فعلم ممّا ذكرنا أنّ المعتبر في عباديّة العبادة هو استناد إتيانها إلى خصوص ما يرجع إليه تعالى بحيث لو لوحظ فيه غيره كالأجرة مثلا لفاتت و لا يمكن تصحيحه بمسألة الدّاعي إلى الدّاعي بل التّلفظ بها و التّشبّث إليها أشبه شيء بتشبّث الغريق بلحيته فتأمّل تفهم فإن قلت على ما ذكرت يلزم بطلان عبادة المأمورين بالمعروف و المجبورين عليه فيما إذا كان من قبيل العبادة و كان داعيهم إلى العمل هو الخوف من الأمر بصيغة الفاعل و التّخلّص عمّا يرد عليهم لو لا العمل من اللّوم و الضّرب و لا يمكن الالتزام به إذ لازمه لغويّة أدلّة الأمر بالمعروف و هو ظاهر قلت إنما يرد هذا على من اعتبر في عباديّة العبادة صدوره عن داع إلهي و استناده إليه تمام الاستناد لا علينا لأنّا لا نعتبر ذلك و لا نقول به و إنما ذكرنا ما ذكرنا بناء على مذاق القوم قدّس سرهم و المختار عندنا أنّه يكفي فيها صدور الفعل بقصد الخضوع و هو يجتمع مع الإتيان لأجل خوف النّاس و سيأتي بيانه الثّالث من وجوه الجواب عن الدّليل الأوّل على حرمة أخذ الأجرة ما ذكره شيخنا العلّامة الأستاد مصرّا عليه و هو أنّ الإشكال مبنيّ على اعتبار قصد القربة شرعا و
هو ممنوع إذ لا شبهة أنّ لفظ العبادة ليس لها حقيقة شرعيّة و لا متشرعيّة بل إنما هي قد استعملت في جميع موارد استعمالها في الكتاب و السّنة في معناها اللّغوي و هو غاية الخضوع أو أقصى غاية الخضوع على الاختلاف في كتب اللّغة كما لا يخفى على المتتبّع في موارد استعمالاتها و حينئذ يرتفع الإشكال من جملة من المسائل الّتي أشكل الأمر فيها على فحول الفقهاء و الأصوليين منها ما نحن فيه ضرورة عدم التّنافي بين الخضوع و أخذ الأجرة عليه و منها إشكال الدّور في اعتبار قصد القربة و قصد الأمر في عباديّة العبادة الّذي أجابوا عنه تارة بالالتزام إلى وجود أمر آخر مع أنّه فاسد في نفسه فتأمل و أخرى بالالتزام إلى اعتباره في طريق الامتثال لا في المأمور به شطرا أو شرطا مع أنّه منظور فيه عندي أيضا بما ليس هنا موضع بيان وجه النّظر و تفصيل الكلام في ذلك في حواشينا على الكفاية وجه ارتفاع هذا الإشكال أنّه مبنيّ على اعتبار ما ذكر في العباديّة و قد مرّ عدم اعتباره فيها و منها صحّة عبادة المأمورين بالمعروف إذ أتوها خوفا من الأمرين به بحيث يكون ذلك هو المحرّك لهم إليها بناء على ما ذكرنا بخلافه بناء على اعتبار كون المحرّك أمر المولى و نحوه إذ لا طريق إلى صحّتها إلّا ما تقدّم من مسألة الدّاعي إلى الدّاعي و قد مرّ ما فيه و منها معقوليّة الصّلاة و الصّوم من الحائض مع حرمتهما عليها و تهيئها عنهما فيتحقّق منها المخالفة أيضا إذ لو كان البناء على ما هو المعروف فلا يعقل صدورهما عنها فلا يعقل في حقّها المخالفة للنّهي عن الصّلاة و لذا قصدوا لدفع الإشكال بما لا يسمن و لا يغني من جوع شيئا و أمّا بناء على ما ذكرنا فلا إشكال في المسألة ضرورة أنّ تحقّق الخضوع لا حاجة فيه إلى قصد الأمر حتّى يقال بأنّه لا يجتمع مع النّهي و إنما الأوامر كلّها إنما هي لأجل بيان طريق العبادة و الخضوع و أنّ المطلوب عند المولى هو خضوع العبد بذاك العمل الّذي تعلّق به الأمر و يدلّ عليه في بعض الرّوايات الواردة في خلقة آدم ع و أمر الملائكة بالسّجود له و ردّه تبارك و تعالى بإبليس لعنه اللَّه حيث قال اعفني عن السّجود لآدم أعبدك عبادة لم