هداية الطالب الى اسرار المكاسب ط قديم - الشهيدي التبريزي، الميرزا فتاح - الصفحة ١٠١ - و أما التورية
القلب فكأنّه تعالى قال لم لا تفعلون ما تقولون و ذلك لأنّه لو أبقي على ظاهره لزم تخطئة الإمام ع في الاستشهاد المذكور هذا و لكنّ في مكارم الأخلاق عن عبد اللَّه بن مسعود قال قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم يا بن مسعود لا تكوننّ ممّن يهدي النّاس إلى الخير و يأمر بالخير و هو غافل عنه يقول اللَّه تعالى أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ إلى أن قال يا بن مسعود فلا تكن ممّن يشدّد على النّاس و يخفّف على نفسه يقول اللَّه تعالى لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ فإنّ مورد الاستشهاد بالآية في هذا الخبر لا ربط بإخلاف الوعد فيدلّ على أنّ المراد ما يعمّ هذا و غيره و ممّا ذكرنا في معنى آية المقت و آية الأمر بالبرّ ظهر فساد الاستدلال بهما على اعتبار العدالة في الأمر بالمعروف و النّاهي عن المنكر كما حكاه عن شرح التّهذيب عن بعض علمائنا و لم يصرّح باسمه حيث إنّه مبنيّ على أنّ الإنكار و التّوبيخ على قول ما لا يفعله و الأمر بما لا يفعله و قد مرّ أنّه على ترك العمل ما يأمر به و يقوله و منه يظهر الجواب عن الاستدلال عليه بما روي عن النّبي صلّى اللَّه عليه و آله أنّه قال مررت ليلة الإسراء بقوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار فقلت من أنتم فقالوا كنّا نأمر بالخير و لا نأتيه و ننهى عن الشّرّ و نأتيه و أمّا الاستدلال عليه بأنّ هداية الغير فرع الاهتداء و الإقامة بعد الاستقامة و الإصلاح زكاة نصاب الصّلاح فالجواب عنه واضح و يؤيّد الحرمة ما في دعاء يوم الإثنين من الصّحيفة من قوله ع اللَّهمّ إنّي أستغفرك لكلّ نذر نذرته و لكلّ وعد وعدته و لكلّ عهد عاهدته ثمّ لم أف به حيث إنّه استغفر من عدم الوفاء بالوعد مثل استغفاره من عدم الوفاء بالنّذر و العهد مع أنّ في جمعه بينه و بين النّذر و العهد إشعارا بل دلالة على المطلب أيضا فتأمّل و يؤيّدها أيضا ما في النّهج في ذمّ معاوية لعنه اللَّه من قوله ع إنّه يعد و لا يفي و في ذمّ ابن العاص و يعد فيخلف و يؤيّدها أيضا ما ورد في أخبار حرمة الغيبة ممّا اشتهى على ذكر الوعد مقارنا لما يجب الإتيان به كالأمانة و نحوها هذا و يمكن الخدشة في ما ذكر تأييدا للمطلب بأنّ استغفاره ص من خلف الوعد بخصوصه لعلّه من قبيل حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين فتأمّل فإنّه كما ترى و إنّ ذمّ الأمير ع لمعاوية على الخلف لا دلالة له على الحرمة لإمكان أنّ الذّمّ على ما ينافي المروّة مع إباحته و إمكان أن يكون قوله ع لصرف إعلام النّاس على أنّ اجتماعكم حوله لعنه اللَّه إنّما هو لأخذكم منه ما وعدكم من حطام الدّنيا و لكنّكم غافلون عن أنّه لا يحصل لكم ذلك لأنّه رجل يعد و لا يفي فلا يغرّنكم وعده و أن ذكر خلف الوعد في أخبار الغيبة من جهة بيان منشإ كمال المروّة للرّجل كما أنّ غيره لبيان ما له دخل في حرمة الغيبة بطور اللّف و النّشر و كيف كان فمع وجود الصّحيحتين لا حاجة للفقيه إلى هذه المؤيّدات فظهر أنّ الأقوى بحسب الأدلّة هو الحرمة و إن كان المشهور خلافه فحينئذ إن أردت عدم الوقوع في الحرام فعلّق الوعد على مشيّة اللَّه تعالى و نحوها فتأمل قوله ثمّ إنّ ظاهر الخبرين الأخيرين أقول يعني من الخبرين خبر سيف بن عميرة و خبر الحارث إذ ليس من الأخبار المتقدّمة ما يدلّ على الكذب في الهزل بالصّراحة أيضا غيرهما و من هنا يقال إنّ توصيف الخبرين بالأخيرين مع توسّط صحيحة ابن الحجّاج من سهو القلم و توجيه ذلك بأنّ الخبر في الاصطلاح مختصّ بالخبر الضّعيف فلا يعمّ الصّحيحة بعد تسليم الاصطلاح ليس شيء إذ قضيّة ذلك ترك التّوصيف قوله على مطلق المرجوحيّة أقول الصّادق على الفرد المحرّم و المكروه بل قد يقال إنّه ظاهر قوله في الخبر الأخير لا يصلح من الكذب إلى آخره قوله خصوصا الخبرين الأخيرين إلى آخره أقول ينبغي أن يقول بدل ذلك و لخصوص الخبرين إلى آخره قوله و عن الخصال إلى آخره أقول لا دلالة لهذا و لما بعده على أزيد من رجحان التّرك
[و أمّا التّورية]
قوله قدّس سرّه و أمّا التّورية و هو أن يريد بلفظ إلى قوله فلا ينبغي الإشكال في عدم كونها من الكذب أقول و حاصل الفرق بين التّورية و الكذب أنّ الكذب استعمال اللّفظ في معنى مخالف للواقع بقصد إفهام ذاك المعنى المستعمل فيه للمخاطب و بداعي أنّه الواقع و بتقرير آخر أنّه مخالفة المعنى المستعمل فيه للفظ المراد منه بالإرادة الجديّة أيضا للواقع فيعتبر في تحقّق الكذب أمران إرادة استعماليّة و إرادة جديّة و أمّا التّورية فهي استعمال اللّفظ في معنى حقيقيّ أو مجازيّ مطابق للواقع مع القصد إلى إفهام آخر يكون اللّفظ ظاهرا و لو بواسطة خصوصيّات المقام فتفترق عن الكذب من جهتين إحداهما استعمال اللّفظ في معنى مطابق للواقع فيها دونه في الكذب و ثانيتهما إرادة إفهام ذاك المستعمل فيه في الكذب و إفهام غيره في التّورية و من اعتبار الإرادة الجديّة في الكذب يظهر عدم لزوم الكذب في إلقاء العامّ مع إرادة الخاصّ و التّفصيل في محلّه قوله و وجه ذلك أقول أي عدم كون التّورية كذبا قوله لا لمجرّد الإغراء أقول بل لعدم المطابقة للواقع مع الإغراء قوله عند الوصف إلى آخره أقول يعني الواصف للخبر بالكذب و الصّدق و المراد منه المخاطب و السّامع للكلام و المراد من توصيفه في ذيل الكلام توصيف الواصف للخبر بالصّدق بالكذب قوله إن نطقوا فكبيرهم فعل إلى آخره أقول يشكل الرّواية أوّلا بأنّ المعلّق على النّطق في الآية إنّما هو السّؤال عنهم و قد جعله في الرّواية فعل كبيرهم لكسر الأصنام و ثانيا بأنّ تعليق نسبة الكسر إلى الكبير تستلزم الكذب من جهة أخرى و هي الملازمة المستفادة من القضيّة الشّرطيّة بين النّطق و الفعل لمخالفتها للواقع ضرورة أنّ الكسر الموجود فعل إبراهيم ع على كلّ تقدير و لو نطقوا و الواقع لا ينقلب عمّا هو عليه إلّا أنّ هذا الإشكال لا يمنع عن الاستدلال بالرّواية على سلب الكذب عن التّورية لأنّها نصّ في أنّ تعليق ما ظاهره الكذب لولاه يخرجه عنه و إن كنّا لا نفهم وجه صدق القضيّة الشّرطيّة هذا و لكن يمكن أن يجاب أمّا عن الإشكال الأوّل فإنّ الجزاء المعلّق على قوله تعالى إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ هو قوله تعالى بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ و قوله تعالى فَسْئَلُوهُمْ تفريع على المطلب فصّل به بين الشّرط و الجزاء للتّناسب و أمّا عن الإشكال الثّاني فبأنّ المعلّق على النّطق في الحقيقة هو احتمال وقوع الفعل من كبيرهم و إمكانه بيان ذلك أنّ الاستفهام يلازمه الجهل بالمستفهم عنه و الشّكّ فيه و هذا