البيان الجلي في أفضلية مولي المؤمنين علي - ابن رُوَيش، عيدروس - الصفحة ٢٥٤ - كونه عليه السّلام سببا لإسلام جمع من أحبار اليهود
كبير، قد استرخا حاجباه من الكبر على عينيه، و هو فزع مرعوب مذعور، و قال: أيّها الناس ما بالكم؟ فقال له رسول الملك: إنّ هذا الغلام يزعم أنّ هذه الدار داره، فغضب الشيخ و التفت إلى تمليخا و تبينه و قال له: ما اسمك؟ قال: تمليخا بن فلسين. قال أعد عليّ، فاعاد عليه، فانكبّ الشيخ على رجليه و قبّلهما، و قال: هذا جدّي و ربّ الكعبة، و هو أحد الفتية الذين هربوا من دقيانوس الملك الجبّار إلى جبّار السماوات و الأرض، و لقد كان عيسى أخبرنا بقصّتهم، و انّهم سيحيون.
فانهي ذلك إلى الملك، و أتى إليهم و حضرهم، و لمّا رأى الملك تمليخا نزل عن فرسه، و حمله على عاتقه، فجعل الناس يقبّلون يديه و رجليه، و يقولون: يا تمليخا ما فعل بأصحابك؟ فأخبرهم أنّهم في الكهف، و كانت المدينة قد وليها رجلان: ملك مسلم، و ملك نصرانيّ، فركبا في أصحابهما و أخذا تمليخا، فلمّا صاروا قريبا من الكهف قال لهم تمليخا: يا قوم إنّي أخاف أنّ إخوتي يحسّون بوقع حوافر الخيل و الدوابّ و صلصلة اللجم و السلاح، فيظنّون أنّ دقيانوس قد غشيهم فيموتون جميعا، فقفوا قليلا، حتّى أدخل إليهم فاخبرهم.
فوقف الناس و دخل عليهم تمليخا، فوثب إليه الفتية و اعتنقوه، و قالوا:
الحمد للّه الذي قد نجّاك من دقيانوس، قال: دعوني منكم و من دقيانوس، كم لبثتم؟ قالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم، قال: بل لبثتم ثلاثمائة و تسع سنين، و قد مات دقيانوس، و انقرض قرن بعد قرن، و آمن أهل المدينة باللّه العظيم، و قد جاؤوكم، قالوا: يا تمليخا تريد أن تصيّرنا فتنة للعالمين؟ قال: فماذا تريدون؟ قالوا: ارفع يدك و نرفع أيدينا، فرفعوا أيديهم و قالوا: اللهمّ بحق ما أريتنا من العجائب في أنفسنا، إلّا قبضت أرواحنا و لم يطّلع علينا أحد.
فأمر اللّه ملك الموت فقبض أرواحهم و طمس اللّه باب الكهف، و أقبل الملكان يطوفان حول الكهف سبعة أيّام، فلا يجدان له بابا و لا منفذا و لا مسلكا، فأيقنا حينئذ بلطيف صنع اللّه الكريم، و انّ أحوالهم كانت عبرة أراهم اللّه إيّاها. فقال