البيان الجلي في أفضلية مولي المؤمنين علي - ابن رُوَيش، عيدروس - الصفحة ٢٥٠ - كونه عليه السّلام سببا لإسلام جمع من أحبار اليهود
وجع و لا حمّى و لا لعاب و لا بصاق و لا مخاط، فلمّا رأى ذلك من نفسه، عتا و طغى و تجبرّ و استعصى، و ادّعى الربوبيّة من دون اللّه تعالى، و دعا إليه وجوه قومه، فكلّ من أجابه أعطاه و حباه، و خلع عليه، و من لا يجبه و يتابعه قتله، فأجابوه بأجمعهم، فأقاموا في ملكه زمانا يعبدونه من دون اللّه.
فبينما هو ذات يوم جالس في عيد له على سريره و التاج على رأسه، إذ أتى أحد بطارقته فأخبره أن عساكر الفرس قد غشيته يريدون قتله، فاغتمّ لذلك غمّا شديدا حتّى سقط التاج من رأسه، و سقط هو عن سريره، فنظر أحد فتيته الثلاثة الذين كانوا عن يمينه إلى ذلك، و كان عاقلا يقال له: تلميخا، فتفكّر و تذكّر في نفسه، و قال: لو كان دقيانوس هذا إلها كما يزعم، لما حزن، و لما كان ينام، و لما كان يبول و يتغوّط، و ليست هذه الأفعال من صفات الإله، و كانت الفتية الستّة يكونون كلّ يوم عند واحد منهم، و كان ذلك اليوم نوبة تمليخا، فاجتمعوا عنده، فأكلوا و شربوا و لم يأكل تمليخا و لم يشرب، فقالوا: يا تمليخا ما لك لا تأكل و لا تشرب؟
فقال: يا إخوتي قد وقع في قلبي شيء منعني عن الطعام و الشراب و المنام، فقالوا: و ما هو يا تمليخا؟ فقال: أطلت فكري في السماء، فقلت: من رفعها سقفا محفوظا بلا علاقة من فوقها، و لا دعامة من تحتها؟ و من أجرى فيها شمسها و قمرها؟ و من زيّنها بالنجوم؟ ثمّ أطلت فكري في هذه الأرض، من سطحها على ظهر اليمّ الزاخر، و من حبسها و ربطها بالجبال الرواسي لئلّا تميد؟ ثمّ أطلت فكري في نفسي، فقلت: من أخرجني جنينا من بطن امّي؟ و من غذاني و ربّاني؟ إنّ لهذا صانعا و مدبّرا سوى دقيانوس الملك.
فانكبت الفتية على رجليه يقبّلونهما، و قالوا: يا تمليخا لقد وقع في قلوبنا ما وقع في قلبك، فأشر علينا، فقال: يا إخواني ما أجد لي و لكم حيلة إلّا الهرب من هذا الجبّار الى ملك السماوات و الأرض، فقالوا: الرأي ما رأيت. فوثب تمليخا فابتاع تمرا بثلاثة دراهم، و صرّها في ردائه، و ركبوا خيولهم و خرجوا.