الميزان في تفسير القرآن - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٣٨٢
بلقاء ربهم يؤمنون. هذا هو الذي يعطيه سياق الآية المتصل بسياق الآيات الثلاث السابقة.
فقوله : « ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ » رجوع إلى السياق السابق الذي قبل قوله : « قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ » الآيات ، وهو خطاب الله لنبيه صلىاللهعليهوآله بصيغة المتكلم مع الغير ، وقد أفيد بالتأخير المستفاد من لفظة « ثُمَ » أن هذا الكتاب إنما أنزل ليكون تماما وتفصيلا للإجمال الذي في تلك الشرائع العامة الكلية.
وقد وجه المفسرون قوله : « ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ » بوجوه غريبة :
منها : أن في الكلام حذفا والتقدير : ثم قل يا محمد آتينا موسى الكتاب.
ومنها : أن التقدير : ثم أخبركم أن موسى أعطي الكتاب.
ومنها : أن التقدير : ثم أتل عليكم : آتينا موسى الكتاب.
ومنها : أنه متصل بقوله في قصة إبراهيم : « وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ » والنظم :
« ووهبنا له إسحاق ويعقوب ثم آتينا موسى الكتاب ».
والذي دعاهم إلى هذه التكلفات أن التوراة قبل القرآن ولفظة « ثُمَ » تقتضي التراخي ولازمه نزول التوراة بعد القرآن وقد قيل قبل ذلك : « قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ». وما تقدم من البيان يكفيك مئونة هذه الوجوه.
وقوله : « تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ » يبين أن إنزال الكتاب لتتم به نقيصة الذين أحسنوا من بني إسرائيل في العمل بهذه الشرائع الكلية العامة ، وقد قال تعالى في قصة موسى بعد نزول الكتاب : « وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها » : ( الأعراف : ١٤٥ ) وقال : « وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ » : ( البقرة : ٥٨ ) وعلى هذا فالموصول في قوله : « عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ » يفيد الجنس.
وقد ذكروا في معنى الجملة وجوها أخرى فقيل : المعنى : تماما على إحسان موسى بالنبوة والكرامة ، وقيل : المعنى : إتماما للنعمة على الذين أحسنوا من المؤمنين ، وقيل : المعنى : إتماما للنعمة على الأنبياء الذين أحسنوا ، وقيل : المعنى : تماما لكرامته في الجنة على إحسانه في الدنيا ، وقيل : المعنى تماما على الذي أحسن الله إلى موسى من الكرامة