تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢
الآيتان
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونََ [ البقرة الآية ٥٥] __ ثُمَّ بَعَثْنَـكُم مِّنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ__
التّفسير
طلب عجيب!
هاتان الآيتان تذكّران بني إسرائيل بنعمة إلهية اُخرى، كما توضحان في الوقت نفسه روح اللجاج والعناد في هؤلاء القوم، وتبيان ما نزل بهم من عقاب إلهي، وما شملهم الله به من رحمة بعد ذلك العقاب.
تقول الآية الاُولى: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً).
هذا الطلب قد ينم عن جهل بني إسرائيل، لأن إدراك الإِنسان الجاهل لا يتعدّى حواسه. ولذلك يرمي إلى أن يرى الله بعينه.
أو قد يحكي هذا الطلب عن ظاهرة لجاج القوم وعنادهم التي يتميزون بها دوماً.
على أي حال، طلب بنو إسرائيل من نبيهم بصراحة أن يروا الله جهرة، وجعلوا ذلك شرطاً لإيمانهم.
عندئذ شاء الله سبحانه أن يرى هؤلاء ظاهرة من خلقه لا يطيقون رؤيتها، ليفهموا أن عينهم الظاهرة هذه لا تطيق رؤية كثير من مخلوقات الله، فما بالك برؤية الله سبحانة نزلت الصاعقة على الجبل وصحبها برق شديد ورعد مهيب وزلزال مروع، فتركهم، على الأرض صرعى من شدة الخوف (فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ).
اغتم موسى لما حدث بشدّة، لأن هلاك سبعين نفراً من كبار بني إسرائيل، قد يوفّر الفرصة للمغامرين من أبناء القوم أن يثيروا ضجّة بوجه نبيهم. لذلك تضرّع موسى إلى الله أن يعيدهم إلى الحياة، فقبل طلبه وعادوا إلى الحياة: (ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).
هذا باختصار شرح الواقعة، وسيأتي تفصيلها في سورة الأعراف، الآية ١٥٥، وسورة النساء الآية ١٥٣(٢٩٠).
هذه القصة تبين من جانب آخر ما عاناه الأنبياء من مشاكل كبرى على طريق دعوتهم. كان قومهم يطلبون منهم معاجز خاصة، وكان العناد يبلغ ببعض الأقوام حداً يطلبون فيه أن يروا الله جهرة، شرطاً لإِيمانهم. وحينما يواجه هذا الطلب غير المنطقي بجواب إلهي مناسب حاسم تحدث للنبي مشكلة اُخرى. ولولا لطف الله وتثبيته لما كان بالإِمكان المقاومة تجاه كل هذا العناد.
هذه الآية تشير ضمناً إلى إمكان «الرجعة»، أي الرجوع إلى هذه الحياة الدنيا بعد الموت. لأن وقوعها في مورد يدل على إمكان الوقوع في موارد اُخرى.
ولكن عدد من مفسري أهل السنة أوّلوا «الموت» في هذه الآية إلى غير المعنى الظاهر لعدم رغبتهم في قبول «الرجعة»(٢٩١)
* * *
الآيتان
وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَـتِ مَا رَزَقْنَـكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ__
التّفسير
النّعم المتنوعة
بعد أن نجا بنو إسرائيل من الفرعونييّن، تذكر الآيات ٢٣ ـ ٢٩ من سورة المائدة، أن بني إسرائيل أُمروا لأن يتجهوا إلى أرض فلسطين المقدسة، لكن هؤلاء عصوا هذا الامر، وأصروا على عدم الذهاب ما دام فيها قوم جبارون (العمالقة)، وأكثر من ذلك تركوا أمر مواجهة هؤلاء الظالمين لموسى وحده قائلين له: (فَاذْهَبْ أنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا ههُنَا قَاعِدُونَ)(٢٩٢).
تألم موسى لهذا الموقف ودعا ربه (قَالَ رَبِّ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ)(٢٩٣) فكتب عليهم التيه أربعين عاماً في صحراء سيناء.
مجموعة من التائهين ندمت على ما فعلته أشد الندم، وتضرعت إلى الله، فشمل الله سبحانه بني إسرائيل ثانية برحمته، وأنزل عليهم نعمه التي تشير الآية إلى بعضها: (وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ).
والظّل له أهمية الكبرى لمن يطوي الصحراء طيلة النهار وتحت حرارة الشمس اللاّفحة، خاصة أن مثل هذا الظّل لا يضيّق الفضاء على الإِنسان ولا يمنع عنه هبوب النسيم.
يبدو أن الغمام الذي تشير إليه الآية الكريمة، ليس من النوع العابر الذي يظهر عادة في سماء الصحراء، ولا يلبث أن يتفرق ويزول، بل هو من نوع خاص تفضل به الله على بني إسرائيل ليستظلوا به بالقدر الكافي.
وإضافة إلى الظل فانّ الله سبحانه وفّر لبني إسرائيل بعد تيههم الطعام الذي كانوا في أمسّ الحاجة إليه خلال أربعين عاماً خلت من ضياعهم: (وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى، كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ).
لكن هؤلاء عادوا إلى الكفران: (وَمَا ظَلَمُونَا وَلكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ). وسنشرح «المن» و«السلوى» في البحوث الآتية.
* * *
بحوث
١ ـ الحياة الجديدة بعد التحرر:
الاُمّة التي تتحرر بعد عصر من الذّل والاستضعاف والاستعباد، لا تستطيع أن تتخلى تماماً عن حالتها النفسية والثقافية الموروثة عن عصر الطاغوت، ولابدّ من فترة برزخية تمر بها كي تكون قادرة على إقامة حكم الله في الأرض، وفق معايير إلهية بعيدة عن مؤثرات عصر الطاغوت.
وسواء امتدت هذه الفترة البرزخية أربعين عاماً كما حدث لبني إسرائيل، أو أقل أو أكثر، فهي فترة عقاب إلهي هدفها التزكية والإِصلاح والبناء لأنّ مجازاة الله ليست لها جنبة انتقامية.
ولابدّ أن يبقى بنو اسرائيل فترة أربعين عاماً من «التيه» في الصحراء ليتربّى جيل جديد حامل لصفات توحيدية ثورية، ومؤهل لإقامة الحكم الإِلهي في الأرض المقدسة.
* * *
٢ ـ المنّ والسّلوى:
تعددت أقوال المفسرين في معنى هاتين الكلمتين، ولا حاجة إلى استعراضها جميعاً، بل نكتفي بذكر معناهما اللغوي، ثم نذكر تفسيراً واحداً لهما هو في اعتقادنا أوضح التفاسير وأقربها إلى الفهم القرآني.
«المنّ» شيء كالطلّ فيه حلاوة يسقط على الشجر(٢٩٤) أو بعبارة اُخرى هو عصارة شجر ذات طعم حلو، وقيل طعم حلو ممزوج بالحموضة.
و«السّلوى» يعني التسلّي، وقال بعض اللغويين وجمع من المفسرين إنه «طائر».
وروي عن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «إن الكماة من المنّ».
وذهب البعض إلى أن «المنّ» هو جميع ما أنعم الله تعالى على بني إسرائيل ومنّ عليهم. و«السّلوى» هي جميع المواهب والملكات النفسانية التي توجب لهم التسلية والهدوء النفسي.
وهو مع مخالفته لرأي معظم المفسرين، يخالف ظاهر الآية حيث تقول: (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) وفي هذا التعبير دلالة واضحة على أن المنّ والسلوى نوعان من الطعام. وهذه العبارة وردت كذلك في الآية ١٦٠ من سورة الأعراف.
وتذكر التوراة أن «المنَّ» حبٌّ يشبه بذر الكزبرة يتساقط على الأرض، وكان بنو إسرائيل يجمعونه ويصنعون منه خبزاً ذا طعم خاص.
وثمة احتمال آخر هو أن الأمطار الغزيرة النافعة التي هطلت بفضل الله على تلك الصحراء أثرت على أشجار تلك المنطقة فأفرزت عصارة حلوة استفاد منها بنو إسرائيل.
واحتمل بعضهم أن يكون «المنّ» نوعاً من العسل الطبيعي حصل عليه بنو إسرائيل في الجبال والمرتفعات المحيطة بصحراء التيه. وهذا التّفسير يؤيد ما ورد من شروح على العهدين (التوراة والإِنجيل) حيث جاء: «الأراضي المقدسة معروفة بكثرة أنواع الأوراد والأزهار، ومن هنا فإن مجاميع النحل تبني خلاياها في أخاديد الصخور وعلى أغصان الأشجار وثنايا بيوت النّاس، بحيث يستطيع أفقر النّاس أن يتناول العسل»(٢٩٥).
بشأن «السلوى» قال بعض المفسرين إنه العسل، وأجمع الباقون على أنه نوع من الطير، كان يأتي على شكل أسراب كبيرة إلى تلك الأرض، وكان بنو إسرائيل يتغذون من لحومها.
في النصوص المسيحية تأييد لهذا الرأي حيث ورد في تفسير على العهدين ما يلي: «إعلم أن السلوى تتحرك بمجموعات كبيرة من افريقيا، فتتجه إلى الشمال، وفي جزيرة كابري وحدها يصطاد من هذا الطائر ١٦ ألفاً في الفصل الواحد... هذا الطائر يجتاز طريق بحر القلزم، وخليج العقبة والسويس، ويدخل شبه جزيرة سيْناء. وبعد دخوله لا يستطيع أن يطير في إرتفاعات شاهقة لشدّة ما لاقاه من تعب وعناء في الطريق، فيطير على إرتفاع منخفض ولذلك يمكن اصطياده بسهولة ... وورد ذكر ذلك في سفر الخروج وسفر الأعداء من التوراة»(٢٩٦).
يستفاد من هذا النص أن المقصود بالسلوى طير خاص سمين يشبه الحمام معروف في تلك الأرض.
شاء الله بفضله ومنّه أن يكثر هذا الطير في صحراء سيناء آنئذ لسدّ حاجة بني إسرائيل من اللحوم، ولم تكن هذه الكثرة من الطير طبيعية في تلك المنطقة.
* * *
٣ ـ لماذا قالت الآية «أَنْزَلْنَا»؟
عبرت الآية الكريمة عن نعمة تقديم المن والسلوى بالإِنزال، وليس الإِنزال دائماً إرسال الشيء من مكان عال، كقوله تعالى: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانَيِةَ أَزْوَاج)(٢٩٧).
واضح أن الأنعام لم تهبط من السماء، من هنا فالإِنزال في مثل هذه المواضع:
إمّا أن يكون «نزولا مقامياً» أي نزولا من مقام أسمى إلى مقام أدنى.
أو أن يكون من «الإِنزال» بمعنى الضيافة، يقال أنزلت فلاناً: أي أضفته، والنزل (على وزن رُسُل) ما يُعدّ للنازل من الزاد، ومنه قوله تعالى: (فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيم)(٢٩٨) و قوله سبحانه:
(خَالِدِينَ
فِيهَا نُزُلاً مِّنْ عِندِ اللّه[
آل عمران الآية ١٩٨])(٢٩٩).
وتعبير «الإِنزال» للمنّ والسلوى، قد يشير إلى أن بني إسرائيل كانوا ضيوف الله في الأرض، فاستضافهم بالمن والسلوى.
ويحتمل أن يكون الإِنزال بمعنى الهبوط من الأعلى لأن النعم المذكورة وخاصة (السلوى) تهبط إلى الأرض من الأعلى.
* * *
٤ ـ ما هو الغمام؟
قيل: الغمام والسحاب بمعنى واحد، وقيل الغمام هو السحاب الأبيض، وذكروا في وصفه أنه أبرد وأرق من السحاب، والغمام في الأصل من الغمّ وهو تغطية الشيء، وسمّي الغمام بهذا الاسم لأنه يغطي صفحة السماء، وسمّي الهمُّ غماً بهذا الاسم لأنه يحجب القلب(٣٠٠).
على أي حال، قد يشير تعبير «الغمام» إلى أن بني إسرائيل، كانوا يستفيدون من ظل الغمام إضافة إلى تمتعهم بالنور الكافي لبياض هذه السّحبة.
* * *
الآيتان
وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِين َ[ البقرة الآية ٥٨] َ__فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ [ البقرة الآية ٥٩]__
التّفسير
عناد بني إسرائيل
وهنا نصل إلى مقطع جديد من حياة بني إسرائيل، يرتبط بورودهم الأرض المقدسة. تقول الآية الاُولى: (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ) والقرية كل مكان يعيش فيه جمع من النّاس، ويشمل ذلك المدن الكبيرة والصغيرة، خلافاً لمعناها الرائج المعاصر. والمقصود بالقرية هنا بيت المقدس.
ثم تقول الآية: (فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ)أي حطّ عنا خطايانا، (نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الُْمحْسِنِينَ).
كلمة «حطّة» في اللغة، تأتي بمعنى التناثر والمراد منها في هذه الآية الشريفة، الهنا نطلب منك أن تحطّ ذنوبنا واوزارنا.
أمرهم الله سبحانه أن يردّدوا من أعماق قلوبهم عبارة الإِستغفار المذكورة، ويدخلوا الباب، ويبدو أنه من أبواب بيت المقدس(٣٠١)، وقد يكون هذا سبب تسمية أحد أبواب بيت المقدس «باب الحطة».
والآية تنتهي بعبارة (وَسَنَزِيدُ الُْمحْسِنِينَ) أي أن المحسنين سينالون المزيد من الأجر آضافة إلى غفران الخطايا.
والقرآن يحدثنا عن عناد مجموعة من بني إسرائيل حتى في ترتيل عبارة الإِستغفار، فهؤلاء لم يرددوا العبارة بل بدلوها بعبارة اُخرى فيها معنى السخرية والإِستهزاء، والقرآن يقول عن هؤلاء المعاندين: (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَولاْ غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ) وكانت نتيجة هذا العناد ما يحدثنا عنه كتاب الله حيث يقول: (فَأنَزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ).
و«الرجز» أصله الإِضطراب ـ كما يقول الراغب في مفرداته ـ ومنه قيل رجز البعير إذا اضطرب مشيه لضعفه.
ويقول «الطبرسي» في «مجمع البيان»: إنّ الرجز يعني العذاب عند أهل الحجاز، ويروي عن الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قوله بشأن مرض الطاعون:
«إِنَّهُ رِجْزٌ عُذّبَ بِهِ بَعضُ الاُْمَمِ قَبْلَكُمْ»(٣٠٢).
ومن هنا يتضح سبب تفسير «الرجز» في بعض الروايات أنه نوع من الطاعون فشا بسرعة بين بني إسرائيل وأهلك جمعاً منهم.
قد يقال إن الطاعون لا ينزل من السماء، لكن هذا التعبير قد يشير إلى حقيقة انتشار هذا المرض عن طريق الهواء الملوّث بميكروب الطاعون الذي هبّ بأمر الله آنذاك في بيئة بني إسرائيل.
يلفت النظر أن من عوارض الطاعون اضطراباً في المشي والكلام، وهذا يتناسب مع أصل معنى «الرجز» تماماً.
ومن الملفت للنظر أيضاً أن القرآن يؤكد أن هذا العذاب نزل (عَلَى الَّذِينَ ظَلموا) فقط، ولم يشمل جميع بني إسرائيل.
ثم تذكر الآية تأكيداً آخر على سبب نزول العذاب على هذه المجموعة من بني إسرائيل بعبارة: (بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ).
والآية الكريمة بعد ذلك تبين بشكل غير مباشر سنة من سنن الله تعالى، هي أن الذنب حينما يتعمق في المجتمع ويصبح عادة اجتماعية، عند ذاك يقترب احتمال نزول العذاب الإِلهي.
* * *
الآية
وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنَاً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاس مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللهِ وَلاَ تَعْثَواْ فِى الاَْرْضِ مُفْسِدِينَ__
التّفسير
انفجار العيون في الصّحراء
تذكير آخر بنعمة اُخرى من نعم الله على بني إسرائيل: وهذا التذكير تشير إليه كلمة «إذ» المقصود منها (وَاذكُرُوا إِذ)، وهذه النعمة أغدقها الله عليهم، حين كان بنو إسرائيل في أمسّ الحاجة إلى الماء وهم في وسط صحراء قاحلة، فطلب موسى(عليه السلام) من الله عزّ وجلّ الماء: (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسى لِقَوْمِهِ)، فتقبل الله طلبه، وأمر نبيّه أن يضرب الحجر بعصاه: (فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الحَجَرَ فَانْفَجَرتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً) بعدد قبائل بني إسرائيل.
وكل عين جرت نحو قبيلة بحيث أن كل قبيلة كانت تعرف العين التي تخصّها (قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاس مَشْرَبَهُمْ).
كثرت الأقوال في طبيعة الحجر الذي انفجرت منه العيون، وكيفية ضربه بالعصا، والقرآن لا يزيد على ذكر ما سبق.
قال بعض المفسرين: إن هذا الحجر كان في ثنايا الجبال المطلة على الصحراء وتدل جملة «انبجست» الواردة في الآية ١٦٠ من سورة الاعراف على يأن المياه جرت قليلة أو، ثم كثرت حتى ارتوى منها كل قبائل بني إسرائيل مع مواشيهم ودوابهم.
ظاهرة انفجار المياه من الصخور طبيعية، لكن الحادثة هنا مقرونة بالإِعجاز كما هو واضح.
ثمة أقوال تذكر أن ذلك الحجر كان من نوع خاص حمله بنو إسرائيل معهم، ومتى احتاجوا إلى الماء ضربه موسى بعصاه فيجري من الماء. وليس في القرآن ما يثبت ذلك، وإن أشارت إليه بعض الروايات.
في الفصل السابع عشر من «سفر الخروج» تذكر التوراة:
فقال الرب لموسى سر قدام الشعب وخذ معك من شيوخ إسرائيل وعصاك التي ضربت بها النهر خذها في يدك واذهب ـ ها أنا أقف أمامك هناك على الصخرة في حوريب فتضرب الصخر فيخرج منها ماء ليشرب الشعب ففعل موسى هكذا أمام عيون شيوخ إسرائيل»(٣٠٣).
لقد مَنّ الله على بني إسرائيل بإنزال المنّ والسلوى، وفي هذه المرّة يمنّ عليهم بالماء الذي يعزّ في تلك الصحراء القاحلة، ثم يقول سبحانه لهم: (كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ وَلاَ تَعْثَوا فِي الاَْرْضِ مُفْسِدِينَ).
وفي هذه العبارة حث لهم على ترك العناد وإيذاء الأنبياء، وأن يكون هذا أقل شكرهم لله على هذه النعم.
* * *
بحوث
١ ـ الفرق بين العثّي والإِفساد
نهى الله سبحانه بني إسرائيل عن الفساد بفعل (لاَ تَعْثَوا)، من العثّي وهو شدة الفساد، وتشبه في معناها «العيث»، إلاّ أنّ العيث أكثر ما يقال في الفساد الذي يدرك حساً، والعثيّ فيما يدرك حُكماً(٣٠٤). وبهذا يكون معنى (لاَ تَعْثَوا) هو معنى «المفسدين» ولكنه مع تأكيد أشد.
وقد تشير عبارة النهي بأجمعها إلى حقيقة بدء الفساد من نقطة صغيرة، واتساعها واشتدادها بعد ذلك. أي تبدأ بالفساد وتنتهي بالعثيّ الأرض، وهو شدة الفساد واتساعه.
٢ ـ المعاجز في حياة بني إسرائيل
قد تثير مسألة انفجار الماء من الحجر وما شابهها من المعاجز في حياة الأنبياء تساؤلات في ذهن أولئك الذين لم يستوعبوا منطق الإِعجاز. ولا نريد هنا أن نتعرض إلى مسألة الإِعجاز، لأنها تحتاج إلى بحث مستقل. ونكتفي يبالقول: إن المعجزة ليست أمراً محالا، وليست استثناءً في قانون العليّة. بل إنها خرق لما ألفناه واعتدنا عليه، أو بعبارة اُخرى، خرق لما ألفناه في حياتنا اليوميّة من ارتباط بين العلة والمعلول.
وطبيعي أن تغيير مسير العلل والمعلولات ليس بعسير على الله سبحانه، ولو خلق الله هذه العلل والمعلولات منذ البدء بشكل آخر غير ما هي عليه اليوم، لكان هذا الذي نألفه اليوم خارقاً للعادة.
باختصار، خالق عالم الوجود و نظام العليّة حاكم على ما خلق لا محكوم له. وفي حياتنا اليومية صور كثيرة للإِستثناءات في النظام القائم للعلل والمعلولات. ومسألة الإِعجاز لا تشكل أية مشكلة عقلية أو علمية.
٣ ـ الفرق بين الإِنفجار والإِنبجاس
في الآية المذكورة ورد الفعل «انفجر» ليعبّر عن تدفق الماء من الحجر، بينما ورد الفعل «انبجس» في الآية ١٦٠ من سورة الأعراف ليشير إلى نفس الحقيقة مع فارق هو أن الأول يفصح عن شدة تدفّق الماء، والثاني عن سيلانه بشكل هادىء.
لعل آية سورة الأعراف تتحدث عن المرحلة الاُولى من ظهور الماء، وجريانه بشكل هادىء لا يثير فزع القوم، ولا يمنعهم من السيطرة عليه، بينما تشير الآية التي نحن في صددها إلى المرحلة النهائية حيث اشتد جريان الماء.
والراغب في مفرداته يفسر الإِنبجاس والإِنفجار بشكل يتناسب مع ما أشرنا إليه إذ يقول: بجس الماء وانبجس: انفجر، لكن الإِنبجاس أكثر ما يقال فيما يخرج من شيء ضيق. والإِنفجار يستعمل فيه وفيما يخرج من شيء واسع.
* * *
الآية
- وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ [ البقرة الآية ٦١]
التّفسير
المطالبة بالأطعمة المتنوعة
بعد أن شرحت الآيات السابقة نِعَم الله على بني إسرائيل، ذكرت هذه الآية صورة من عنادهم وكفرانهم بهذه النعم الكبرى.
يتتحدث الآية أو عن مطالبة بني إسرائيل نبيّهم بأطمعة متنوعة بدل اطعام الواحد (المَنّ وَالسَّلْوى): (وَإِذْ
قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ
يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا
وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا).
فخاطبهم موسى (قَالَ
أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً
فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُم).
ويضيف القرآن: (
وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ
اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ
النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ).
* * *
بحوث
١ ـ آراء المفسرين في كلمة «مصر»
من المفسرين من قال إن المقصود من كلمة «مصر» في الآية الكريمة هو المفهوم العام للمدينة. وقوله سبحانه: (إِهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ)، أي إنكم الآن تعيشون في هذه الصحراء ضمن إطار منهج للإِختبار وبناء الذات، وليس هذا مكان الأطعمة المتنوعة، إذهبوا إلى المدن حيث التنوع في المأكولات، ولكن لا يوجد فيها المنهج المذكور.
ويستدل أصحاب هذا الرأي بأن بني إسرائيل لم يطلبوا العودة إلى «مصر» موطنهم السابق ولم يعودوا إليه إطلاقاً(٣٠٥).
ومنهم من اختار هذا التّفسير لمصر، وأضاف إليه أن المقصود من قوله تعالى: (إِهْبِطُوا ...) هو أن بقاءكم في الصحراء واقتصاركم على الطعام الواحد يعودان إلى ضعفكم، فكونوا أقوياء، وحاربوا الأعداء، وحرروا من سيطرتهم مدن الشام والأرض المقدسة، ليتوفر لكم ما شئتم(٣٠٦).
وهناك رأي ثالث للمفسرين هو أن المقصود من «مصر» البلد المعروف. ويكون المعنى عندئذ: إنكم في هذه الصحراء الخالية من الأطعمة المتنوعة تملكون الإِيمان والحرية والإِستقلال، وإن أبيتم إلاّ أن تكون لكم أطعمة متنوعة، فارجعوا إلى مصر حيث الذل والإِستعباد، لتأكلوا من فتات موائد الفراعنة. إن مشتهيات بطونكم أنستكم ما كنتم تعانون منه من ذل واستعباد، وما حصلتم اليوم عليه من حرية ورفعة وافتخار، وما تتحملونه من حرمان يسير إنما هو ثمن لحريتكم(٣٠٧).
ويبدو أن التّفسير الأول أنسب من التاليين.
* * *