محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٨٤ - الخطبة الثانية
وأممهم يشتركون في إنسانيتهم الواحدة والمحور الذي تصلح بيه حياة أمة منهم وتنحفظ إنسانيتها وتحقق هدف وجودها لو تمحورت حركتها حوله هو ذاته الذي تصلح بيه حياة الأمم كلها وتبلغ إنسانيتها درجة النضج وتصل إلى غاية وجودها إذا استقطبت حركتها لذلك المحور ولا يملك محور غير محور التوحيد أن يجمع الإنسانية ويوحد الناس ويحقق لهم الهدى ويقيم أمر دينهم ودنياهم ويبلغ بهم حد النضج ويدفع بكل أبعاد إنسانيتهم الكريمة إلى الكمال والعطاء حتى أقصى ما يمكن أن تنتهي إليه وقد (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ) وهي رمز التوحيد الخالص (قِياماً لِلنَّاسِ) كل الناس بها تقوم حياتهم تنشط حركتها تتصحح أوضاعها تتماسك علاقاتها يرتفع أفقها يسمو هدفها تبلغ غايتها، قصد الناس الكعبة وانشدادهم إلى ما كانت من أجله من توحيد الله عز وجل وإخلاص العبادة إليه وتلقي منهج الحياة كلها من دينه فيه قيام إنسانية الإنسان وحيويتها وهداها ورشدها وأنشط حركة صالحة لها فيه تقدم واستقامة أوضاع الحياة وصحة علاقات الإنسان بأخيه الإنسان وعدلها ورقيها فيه أكبر إنتاجية خيرة يمكن أن تحدث على يد الإنسان فيه أن يشهد أعظم تبلور لإنسانيته وتحقق أعلى كمال يمكن له مما يحقق له سعادة الأبد.
اجتماع العدد الهائل من الناس من كل الألوان ومن كل الأقطار ومن كل القوميات واللغات والمستويات العلمية والمعيشية والاجتماعية المختلفة ومن مختلف الثقافات ومن حاكم ومحكوم ورئيس ومرؤوس في وفد صادق إلى الله عز وجل متجه إليه خاضع لعظمته متعلق بهداه مستجد من رحمته موحد له لا يشرك به شيئاً في ظل المنهج العبادي العام والخاص بالحج والمعد من العليم الخبير الحكيم الرؤوف الرحيم لتربية عباده وهداهم وكمالهم، هذا الاجتماع يصنع وحدة الفكر ووحدة الهدف ووحدة الشعور ووحدة منهج الحياة ووحدة المصالح والحاضر والمصير بين طوائف الأمة الواسعة بل بين كل شعوب البشرية اذا ما دخلت في دين الله واستجابة لعبادة ربها والمنهج السماوي القويم