محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٤٠ - الخطبة الأولى
الأرض وليس هذا فقط وهذا مكشوف بما للجبال من ثقل على وجه الأرض وتمكن بعيد الغور داخلها وهو الأمر الخفي على العقلية السائدة يوم ذاك النظرة السطحية ترى للجبال علوا وارتفاعا وتدرك أن لها استقرارا في الأرض ولكن لا تدرك الغور البعيد الذي تمتد إليه الجبال في باطن الأرض وإذا كان رسو الجبال على وجه الأرض وقريبا من سطحها معلوما للنظر العادي فإن رسوها في الداخل والى أعماق بعيدة يشير إليه التعبير بالأوتاد فالإخبار به عن رجل لم تصقل ذهنيته الدراسة المكثفة ولم يكن له تخصص في الطبيعة وبيئته بيئة متخلفة، تخلفا علميا شديدا لا يكون إلا عن وحي من السماء وعناية خاصة من الله تقتضيها حكمة الإرسال.
وكون الجبال تغوص في الأرض أضعاف ما هي عليه مستوى الارتفاع فوقها بحيث يتجاوز ما تقوم عليها القارات من طبقة صخرية فالقارات تقوم على طبقة صخرية بعيدة الجبال قاعدتها أبعد في غور الأرض من قاعدة القارات وبهذا تتوتد وتتثبت وكون الجبال تغوص في الأرض أضعاف ما هي عليه من مستوى الارتفاع فوقها بحيث يتجاوز ما تقوم عليها القارات من طبقة صخرية وعلى حد غوص كل وتد في الأرض لتثبيت ما أريد له تثبيته إنما جاءت به الكشوف الحديثة بعد تقدم وسائل الكشف وتراكم المعارف والخبرات البشرية.
أما يوم نزول الآية الشريفة فكان ذلك مما بينه وبين عقل الإنسان حجاب كثيف ما يفيده قوله سبحانه (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها) و (خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها) كلمة ترونها في الآيتين صفة والموصوف بها في الأقرب هو الأقرب المجاور له عندنا كلمتان سموات وعمد (خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها) ترونها صفة للسماوات أو ترونها صفة لعمد؟ الأقرب أن يكون الوصف للأقرب للكلمة عمد أقرب لترونها (خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها) فترونها صفة لعمد كلمة ترونها في الآيتين صفة والموصوف بها