محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٣٤ - الخطبة الثانية
ولقد كان تمحور هذه الأمة أيامه صلّى الله عليه وآله حول أعظم رؤية وأصلح فكرة وأحقّ مبدأ، وحول أعظم قيادة، وعندما كان تمحورها حول الإسلام والرسول، وهما حبل الله المتين بذلك كانت تلك الأمّةَ العظيمةَ الشامخة العملاقة.
يقول الكتاب العزيز: وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَ كُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ١١ ١٢
أناس فرّقتهم الأفكار المتعددة الساقطة، والأهواء الأرضية السافلة، والعصبيَّات الجاهلية المقيتة فأوهنتهم، وتخلّفت بهم أشدّ التخلّف، ثم جمعت شتاتهم الفكرة الصالحة، والرؤية الإلهية المنقذة، والأطروحة الرشيدة ووحّدت منهم الصفوف على هدى الله ١٣، وانطلقت بهم على طريق البناء الرشيد ليكونوا من بعد ضلالهم وفرقتهم وتخلّفهم أهدى أمّة، والأمة الأشدّ توحّدًا، والأقوى والأبرز تقدّمًا من بين الأمم.
وهذا ما التفت إليه أعداء الأمّة من داخلها وخارجها قديمًا وحديثًا فأعطوا الكثير من الجهد والتفكير والتآمر على وحدة الأمة، ومن أجل تمزيق شملها، ولتتواجه قبائل وأحزابًا، وقوميَّات ومصالح، وطوائف وأقطارًا في خصومات دائمة، وحروب دموية طاحنة.
وقد وجدت المساعي الخبيثة لهدم وحدة الأمة، وتمزيقها من التكفير وسيلة من أنجح الوسائل لتحقيق هذا الهدف وهو تكفير المسلم لأخيه المسلم على خلاف ما أنزل الله عزّ وجل، وجاء به الكتاب، وبلّغ به الرسول صلّى الله عليه وآله، تكفير لا يُبقي حرمة من حرمات المسلم في دائرة الاحترام، ويهدر منه كلّ حرماته.
وما أحدثه هذا التكفير الذي أخذ واقع الظاهرة في المجتمع المسلم ليس التباعد وخلق الفواصل الفكرية والنفسية في صفوف المسلمين وطوائفهم فحسب بل حوّل الأمة في عدد كبير من أقطارها إلى أمّةِ مذابحَ دمويةٍ داخليّةٍ جاهلية واقتتال بشع شنيع.