محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٠٢ - الخطبة الأولى
وقد تَخِفُّ حدّة الصراع في النفس بين أمر الدنيا والآخرة بِغَلَبة أحدهما عليها وركونها إليه بما يُريحها بدرجة من تعب الصراع ١، وإن خسِرت كلَّ الخسران، أو ربحت كل الربح في موافاتها للآخرة ٢
ولا ينتهي صراع النفس بين الأمرين في صالح الآخرة وبالخلوص لله سبحانه إلّا في نفوس مرحومة بالرحمة الخاصّة ٣ ... نفوس معصومة مصطفاة لله تبارك وتعالى.
ومن غير هذا النفر مستويات إيمانية عالية تتمتّع بدرجة كبيرة من الانتصار على المزاحِمات الدنيويّة للاستقامة على طريق الغاية للحياة والاهتمام بأمر الآخرة فتجد راحةً كبيرة في الدنيا ودرجات رفيعة من نعيم الآخرة ٤
ومزاحمة الدنيا للتوجُّه الأخروي في النفس كما يكون بسبب مشتهياتها ولذائذها يكون كذلك لما قد تُكلّفه الاستقامة على طريق الحقّ من متاعب وشدائد المواجهة لمشقّة المحاذير الدنيوية التي تتهدّد أمن الإنسان، ولقمة عيشه، وتعرِّضُه لألوان العذاب، ويترصّده من خلالها الهلاك.
فقد يكون من ثمن الاستقامة على طريق الحقّ سِجنٌ مؤبد، إقلاق أمني دائم، ملاحقة مستمرة من التوعّد والوعيد، قتل شنيع.
وتحدٍّ من هذا النوع الصبرُ عليه أشدّ على النفس من الصبر عن كثير من اللذائذ والمغريات، وكثيرًا ما تتعرّض النفوس للانهزام أمام هذه المحن ولنسيان أمر الآخرة. والثباتُ في هذا الأمر وفي كل أمر آخر يحتاج إلى مجاهدة مستمرة للنفس وإلى عصمة من الله الذي نسأله ألّا يتركنا لأنفسنا وألّا يكلنا لها طرفة عين.
وإنَّ الصراع من هذا النوع إما أن تقبل فيه النفس بخسارة الحياة الدنيا وهي غالية عليها أو بخسارة الآخرة التي لا تقوم لها خسارة ولا تعدلها خسارة ٥، ولكن البصر كثيرًا