محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٠١ - الخطبة الأولى
العقلُ والمعرفةُ والرشدُ أن نعرف ولا نخالف معرفتنا، وأن نطلب العلم من أجل العمل، وأن لا يكون لنا سعيٌ لدنيا أو آخرة، ولا تقديم أو تأخير لأمر من أمرهما عن جهلٍ وعمى، وأن لا نرتكب ما لا يأذن العلمُ بارتكابه، وما يقدّم عليه خلافه.
ومن عرف شأن الدّنيا وشأن الآخرة، وأخذ بما عرف لم يخفَ ذلك في مواقفه وخياراته وما له من العلاقات.
ويتبيَّن المرء حكمتَه بعد معرفته النظرية بما عليه شأن الدنيا وشأن الآخرة فيما ينوي ويعزم، ويؤخِّر ويقدِّم، ويسكت وينطق، وفي كل مسلك من مسالكه في هذه الحياة، وفيما يُحرّكه عند التزاحم بينهما ويقوم عليه موقفه العملي المتردِّد أهو دافع الدنيا أو دافع الآخرة. ولا تتمُّ حكمة امرء يرى الأهمية للآخرة، ولكنّه يقدّم عليها دنياه من ناحية عملية.
وتحتاج النفس لاستقامتها ورشدها العمليّ إلى المراقبة على ضوء العقل والدّين، ليعدل بها صاحبُها عن غيّها، ويردّها إلى الطريق كلّما ضلّت، وإلى رشدها كلما سفهت، وغلبتها الشهوات.
تحتاج النفس إلى أن تُلام وتُؤدَّب على خطئها، وأن تُحثّ على الصبر على الطاعة لله سبحانه كلّما أصابها تلكّؤٌ أو فتور، وإلى تشجيع على المزيد كُلّما وُفِّقت للطاعة.
والدنيا مليئة بالرغبات واللذائذ وأنواع المشتهيات. وفي ذلك إلهاء عن أمر الآخرة، ومزاحم للاستقامة على طريقها، ومثير للصراع في النفس بين الأخذ بما تقتضيه اللذة، وما تدعو إليه الغاية من الحياة مما يُعرِّض النفس لو أُغفلت ولم تكن لها مراقبة من عقل ودين، وتأنيب وتأديب في موضعه، وتشجيع ودفع في موضعه لأن يؤول أمرها إلى الزيغ والانحراف.