محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٨٧ - الخطبة الأولى
خامسًا: الأمل والنعم:
للآمال الدنيوية العملاقة المتتابعة التي تستحوذ على النفس آثار سيئة على الموقف النفسيّ من نِعَم الله، والشعور بالرضا بالحياة، وهي تعقب الأسف، وتجعل النفس تعيش حالة الفقر والإحساس بالعَوز وإن تحقّق لها ما تحقّق، وإن كثر ما في اليد.
صحيح أن ما في يدي كثير، لكن بالقياس إلى آمالي الدنيوية المتصلة إنما هو قليل، ولذلك لا يتأتى مني الشكر، ولذا يصدر مني السخط على قسمة الله عز وجل.
ونقرأ في ذلك كله ما عن الإمام علي عليه السلام من هذه الكلمات الدقيقة:
" تَجَنَّبُوا المُنى؛ فَإِنَّها تَذهَبُ بِبَهجَةِ نِعَمِ اللّهِ عِندَكُم، وتُلزِمُ استِصغارَها لَدَيكُم وعَلى قِلَّةِ الشُّكرِ مِنكُم" ١٧
إذا كانت كل النعم الكثيرة مما أُوتيته النفس لا تراها تلك النفس شيئًا بالقياس إلى آمالها الدنيوية العريضة، فكيف لا تستصغرها، وتتلاشى قيمتُها في شعورها، وكيف تبتهج هذه النفس بِنِعَمِ لا ترى لها وزنا، ولا تعتبر لها قدرا، وكيف توفّيها شكرها وهي تستقلّها، وتحتقرها؟!
" مَن كَثُرَ مُناهُ قَلَّ رِضاهُ" ١٨
نفس صاحب المنى الدنيوية التي تعجز القدرة، وكل السعي، وتعجز الدنيا عن تحقيقها لا يحصل لها رضى بما في اليد، ولا رضى بالحياة التي تخيّب هذه الآمال.
" حاصِلُ الأَمانِيِّ الأَسَفُ" ١٩
هو أسف في الآخرة، لأن هذه الأماني ضيّعت العمر كلّه على طريق هلاكها، وأسف لَكثيراً ما يصيب الإنسان بعدما يجد أن الجهد الكبير الذي بذله، والسعي الحثيث لم يفلح في تحقيق أمانيه الضخمة الباطلة، وهذا يحصل في الدنيا.