محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٨٥ - الخطبة الأولى
يدرك الحقائق التي لابد أن تحكم حياته، ونسي غايته ووزن نفسه، ونسي عظمة ربّه، وكان- وهو العاقل- كمن لا عقل له. ومصيبة فادحة أن يقاد عقل المرء من أمل أملاه عليه هواه ورغبته القاصرة.
فإنه إذا حدث ذلك لم تبق للعقل رؤيته، وانطمست منه البصيرة، وما العمى الأكبر إلّا أن يفقد الإنسان البصيرةَ، ويقع قلبه في عتمة العمى، وتيه الضلال.
وتقول الكلمة عن الإمام عليّ عليه السلام:" الأَمانِيُّ تُعمي أعيُنَ البَصائِرِ" ٢
وتقول الكلمة عن الإمام الكاظم عليه السلام:" مَن سَلَّطَ ثَلاثا عَلى ثَلاثٍ فَكَأَنَّما أعانَ عَلى هَدمِ عَقلِهِ: مَن أظلَمَ نورَ تَفَكُّرِهِ بِطولِ أمَلِهِ، ..... ومَن هَدَمَ عَقلَهُ أفسَدَ عَلَيهِ دينَهُ ودُنياهُ" ٣
هذا الذي هدم عقلَه يبقى له تفكّر، ولكن ما يبقى له منه إنما هو تفكّر منطلق من ظلام لا من نور، وتفكّر هذا شأنه لا ينير لصاحبه الطريق، ولا يدلّه على نجاة وصلاح وفلاح.
ثانيًا: نسيان الأجل والآخرة:
عن رسول الله صلّى الله عليه وآله:" إنَّ أخوَفَ ما أخافُ عَلى امَّتِيَ الهَوى وطولُ الأَمَلِ؛ أمَّا الهَوى فَإِنَّهُ يَصُدُّ عَنِ الحَقِّ، وأمّا طولُ الأَمَلِ فَيُنسِي الآخِرَةَ" ٤
وعن الإمام عليّ عليه السلام:" الأَمَلُ حِجابُ الأَجَلِ" ٥
وفي كلمة أخرى عنه عليه السلام:" الأَمَلُ يُنسِي الأَجَلَ" ٦
فالأمل الدنيوي يشدّنا للدنيا، ويجعلنا نلهث وراءها، ويعطيها أضعاف ما عليه وزنها، وبذلك تستحوذ علينا الدنيا عن أيّ تفكير في الآخرة.