محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٧٨ - الخطبة الثانية
ويحول بينه وبين أن يُقدم على نصرة الحسين عليه السلام واختيار معسكره، وكل ذلك إنما يدفعه لأن يكون من أنصار يزيد.
إن الانتصار للإمام الحسين عليه السلام أو ليزيد لا يرجع إلى لحظة الاختيار في الظرف الحاسم الحرج، وإنما يعود إلى حصيلة تاريخ طويل من تربية صالحة أو فاسدة، ومن مجاهدة للنفس أو إهمالها.
إنه لا يهمّ نفسًا سيئة أن يقتل الإمام الحسين عليه السلام ألف مرة، وأن يُقتل ألف حسين، وأن تُطمس معالم الإسلام، وأن يُهدم، وأن يُقضى على الأمة الإسلامية، أو تُسترقّ للغير، وإن كانت هذه النفس يقف صاحبها في صفوف المسلمين في الصلوات الخمس لكن بعقل ونفس وإرادة وشعور لا أهليّة له للاستجابة للصلاة، لهداها، ووعيها، ودروسها، ومردودها الروحي، والنفسي والعملي الرشيد الكبير.
أيها الإخوة والأخوات، إن الباحثين عن الفرص الدنيوية الكبيرة، عن المناصب النفعية، المستعدين لأن يبذلوا في سبيلها كل شيء، وأن يضحّوا بكل شيء، وبكل الآخرين من أجلها، والباحثين عن سلامتهم وإن كان بإهلاك الأبرياء، المستعدّين لأن يقتاتوا على لحوم الآخرين، وآهات وعذابات الآخرين، والمضحّين بمصالح الشعوب والأمم من أجل أمنهم المادي، ومصالحهم المادية لا يمكن أن يكونوا إلا محاربين للحسين عليه السلام، ولا يمكن أن يكونوا في صفّه ومن أنصاره.
وكربلاء كانت مليئة بالنماذج التي لا يمكن إلا أن تخذل الحسين عليه السلام، وتكون عدوًّا له وتحاربه، كما هي مليئة بالنماذج التي لا يرشّحها تكوينها العقلي والروحي والنفسي والإرادي وتربيتها وطهرها ووعيها إلا بأن تكون نصرتها له عليه السلام، وموقفها معه، وإلا أن تكون سبّاقة للتضحية في سبيل الله، والذود عن دينه وكرامة الأمة.