محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٥٨ - الخطبة الأولى
وأمل البقاء لأيّ مدة، والتعويل عليه يجعل كثيرًا من الناس والنفوس متساهلة بشأن السعي للآخرة، والاستعداد الفوريّ لها ما دام في البين مهلة من العمر حسب تصوّر هذا المرء.
وكيف لنفس يقظة عاقلة حكيمة أن تستسلم هذا الاستسلام لآمال لا تملك من أمرها شيئا ١٠
وتُنبّهنا الكلمة عن عليّ عليه السلام على سخف هذا الاستسلام فعنه عليه السلام:" معاشر الناس (المسلمين) اتقوا الله فكم من مؤمّل ما لا يبلغه، وبان ما لا يسكنه ١١، وجامع ما سوف يتركه، ولعله من باطل جمعه، ومن حقّ منعه. أصابه حرامًا، واحتمل به آثاما، فباء بوزره، وقدم على ربه آسفًا لاهفًا قد خَسِرَ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ ١٢ ١٣
وفي هذه الكلمة التفاتة لها أهميتها؛ ذلك أننا جميعًا مودّعون للدنيا، خارجون منها، مخلّفين كلّ ما فيها يستوي من الناس في هذا مؤمن وكافر، ومتّق وفاجر.
فإذا كانت الدنيا تعني البقاء على الحياة فيها، والتمتّع بزينتها، وما النظر إلّا إليها فالكلّ ملاقٍ خسارتها، واقع فيها ١٤
ولكنّ الدنيا إنما قيمتها في الإعداد لربح الآخرة، وإذا كانت كذلك فإن الخاسر الوحيد لها من كفر وفجر ١٥، لأنه لم يعدّ نفسه لآخرته، وبذلك يخسر كلًّا من الدارين؛ وذلك هو الخسران المبين.
أما من آمن واتقى فيكون قد ربح الدنيا وربح الآخرة؛ ربح الدنيا لأنه توفّر على هدفها، وربح الآخرة لأنه سعد بها.