محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٢٦ - الخطبة الأولى
وكم من كلمة فجّرت حربًا طال أمدها، وامتدّت مكانًا وزمانًا إلى بعيد، وأتت على كثير من رَطْب ويابس، وأبادت خلقًا كثيرًا، وسبّبت خطرًا مستطيرًا، وأسّست لظلم متّسع، وفجور منتشر، وفساد عظيم، وبلاء مقيم جسيم.
وكم من كلمة انطلقت لتهدم باطلًا شقيت بطول مكثه في الأرض وحاكميته لحياة الناس أجيال وأجيال؛ لتقيم صرحًا للحقّ مقامه، وتستبدل عن شقائه سعادة تطيب بها الحياة، وتأنس بها قلوب الناس، ويعمّ الهدى بعد الضلال، والعدل بعد الجور، والمحبّة بعد البغضاء، والألفة بعد الفرقة والشتات.
وكم من كلمة مكّنت لظالم، وكم من كلمة ردّته عن ظلمه، وكم من كلمة أثارت هادئًا وحوّلته بركانًا بعد هدوئه، وكم من أخرى هدّئت غاضبًا وصارت به إلى حال من الوقار والرزانة، ودخلت به إلى عالم جديد من التأمّل والبصيرة.
الكلمة تؤدّي دورًا نافعًا أو ضارًّا متّسعًا، وينتشر منها النفع والضرر بما يغضّي شعوبًا وأممًا وأجيالًا كثيرة متلاحقة.
والحروب العالمية تبدأ بالكلمة لتنطلق من بعد تبادلها بين دولتين أو أكثر المدافع والطائرات الحربية، وكل أنواع الأسلحة الفتّاكة لتأتي على حياة أعداد غفيرة من الخلق، وعلى مساحات كبيرة ومدن رئيسة من العمران، ثم ومن بعد غلبة من أحد الطرفين، أو يأس الأطراف تنتهي الحرب بالكلمة كذلك.
والمطلقون لكلمات الفتنة من كلّ شعب وأمّة نظرا لأغراضهم السيئة مجرمون في حقّ الشعوب والأمم، والذين يغلبهم الجهل على الكلمة فتصدر منهم هذه الكلمات عن جهل هم من أضرّ من يضرّون الناس بجهلهم.
ومن أين تأخذ الكلمة استقامتها وانحرافها؟
تأخذ ذلك من عقل سليم أو سقيم، ومن قلب طاهر أو قذر.