محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤١٧ - الخطبة الثانية
من سفه الإنسان أن أراد له الله سبحانه أن يكون كبيرا، وأعدّه لأن يكون كبيرا، وهو لا يريد لنفسه إلا أن يكون صغيرا وحقيرا، وأن يسّر له سبحانه طريق الهدى وهو يصرّ إلا أن يكون ضالّا، ووفّر له منهج السعادة وهو يستهدف إلا أن يكون شقيّا.
يرتكب كلّ ذلك حين يتولّى عن الله عزّ وجلّ، ويقيم حياته، ويبني حضارته على هذا المنهج أو ذاك المنهج من مناهجه الأرضية المبتدعة على يده.
من سفه هذا الإنسان وجهله أن أقام حضارة مادية جاحدة لله، منفصلة عن القيم الإلهية، والتي تنادي بها فطرة النفس البشرية الناطقة بالحقّ وبما فيه استقامة مسيرة الحياة وصلاحها، وتحقيق سعادة الإنسان الآن في هذه الحياة وفي الأبد.
حضارة يهدم فكرها وقاعدتُها وأخلاقيّتها المادية غرضَها، وتضادّ هدفها بوسائلها. لو كان غرض حضارة المادّة أمنَ الإنسان في دنياه، وغناه، وسعادته فيها فإنَّ قاعدة الكفر التي تنطلق منها فاقدة للرادع عن الظلم والفساد والاستحواذ على كل أسباب اللذة البدنية، واستجماع الثروة، وإن كان في ذلك شقاء الآخرين، وفقرهم، وتدهور العلاقات الاجتماعية. وشيوعُ هذه الظواهر يجعل المسبَّب لها محل استهداف للملايين مما يسلب الراحة والسعادة من الجميع ٣٨
والأخلاقية الماديَّة، وروح الأنا تتعملق وتتمدد في أحضان هذه الأخلاقية والتي أنتجت القنبلة الذرية ثم القنبلة النووية والأسلحة الكيماوية الفتاكة تضع حياة أهل الأرض جميعا على كف عفريت، وتُحطّم ما بنته حضارة المادّة لقرون من الزمن في لحظات ٣٩
وهذه الأخلاقية التي تلهب السباق والتنافس المادي الشرس والمجنون، وتستبيح كل شيء في سبيل الاستحواذ على الثروة، ومضاعفتها، والهيمنة الظالمة على الآخرين قد أدّت إلى تسميم البحر واليابسة والجو بما أفسد البيئة، وأحدث خللًا خطيرًا في طبقة