محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٠ - الخطبة الأولى
ولذلك جاء عن رسول الله صلّى الله عليه وآله:" أَعرَفُكُم بِنَفسِهِ أَعرَفُكُم بِرَبِّهِ" [١].
فالنفس الإنسانية ناطقة بأنها أَثَرٌ للخالق العظيم العليّ القدير العليم الحكيم الحيّ الرازق القائم الذي لا يموت [٢].
وكلّما عرفت النفسُ نفسَها زاد يقينها بربّها جلّ وعزّ، واستسلمت مريدة إليه [٣].
وتُقدِّم معرفةُ النفس من نفسها ما يتداولُها من تقلُّب الأحوال، وتبدّل الأوضاع العارضة على داخلها، وكونها عاجزة عن التحكّم فيها، والتصرُّف بما يخلّصها منها وقت شاءت [٤]، أو إبقائها وقت ما رغبت، وأنْ لا مالك لهذا الأمر من غيرها من الخالق أنّ لها خالقًا قديرًا عليمًا مالكًا هو المتصرف الحقّ فيها [٥].
[١]- روضة الواعظين ص ٢٠.
[٢]- كلّ هذه الأسماء الحسنى تحتاجها كلّ نفس لأن توجد، لأن تبقى، لأن ينتظم أمرها. وهي أسماء ليست لأحد غير الله العظيم.
[٣]- هناك استسلام تكويني لا حيلة لنا فيه، وهناك استسلام إراديّ لله عز وجل هو من مسؤوليتنا.
[٤]- تأتي علينا أحوال متقلّبة، تتعاور علينا الظروف المؤثّرة، في داخلنا وفي خارجنا، ونحن نعرف من نفسنا أن الحزن الذي يأتي علينا لا نستطيع أن نقتلعه بإرادتنا، أن الفرحة تأتينا من حيث لا ندري، إلخ.
[٥]- حيث ترى أنك تحزن، أنك تفرح، أنك تخاف، أنك تأمن، أنك تعزم، أنك تتراجع عن عزمك ولا تملك تفسيرا لهذا من نفسك ولا من غيرك ممن حولك وممن هو مثلك في الفقر الذاتي لابد هنا أن يُرجعك العقل إلى الخالق العظيم المتصرف فيك كيف شاء.