محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٨٤ - الخطبة الأولى
تُطيق، ولا تُقدِم على كلّ ما فيه مشتهى النفس قبل التبصُّر في نتيجته، ولا تتثاقل عمّا تجد فيه تعبًا مما ترى أنه مربح لك في غدك.
لا يُسرع أحدُنا الركض، ولا يلهث وراء كلّ أمنية تعرض في النفس من أمنيات الدّنيا بغضّ النظر عمّا تتسبّب فيه.
فلأفكِّرْ أولًا في قيمة هذه الأمنية وما قد تؤدّي إليه من أذى دنيًا أو آخرة، ولأوازنْ بين ما سأنال من لذّة من إقدامي علىماأرىفيه لذّة، وما تُعرِّضُني إليه هذه اللذة من آلام، وما ستوقعني فيه من خسارة دنيا أو آخرة.
وإذا كان لخسارةٍ من خسائر الدّنيا، أو مصيبة من مصائبها أن تستوجب عقلًا العدول بالنفس عن لذّة من لذائذ المادة، وما يتّصل بها أو قاربها وإن عظمت، فإنّه لا خسارة في حكم العقل كخسارة الآخرة، ولا تردُّد له فيما تستوجبه من التراجع عن أيّ لذة من لذائذ هذه الحياة. ولا تسامح عقلًا في حكمه برفض أيّ لذة مهما كبرت وهي مُوقعة في خسارة أخرويّة أو مصيبة من مصائبها. ذلك لأن أدنى خسارة أخروية لا تعوّض عنها أكبر لذة من لذائذ هذه الحياة.
وبالغَ في قيمة الدّنيا من أعطاها قيمةَ طرفة عينٍ بالقياس إلى حياة الأبد التي هي الآخرة ١، وإذا كان هذا هو شأنُ الحياة الدنيوية بكلّ قرونها، فما أحقر مدّة يحياها الفرد على هذه الأرض بالقياس إلى حياة الأبد!! ومن بعد ذلك ماذا يبقى من قيمة اللذّة من لذائذها العابرة أمام خسارة من الخسائر الأخروية المقيمة الفادحة؟!!
النفس إذا وعت وأبصرت وقويت إرادتها لا يمكن أن تُقدم على لذة تنتهي بمرض من الأمراض المؤذية في الدّنيا ٢، وإعاقة من إعاقاتها، ولا لذهاب سُمعة وسُقوط شرفٍ في الناس، وفضيحة من فضائحها.
وهي أصرم في الامتناع من لذة مغرية تجلب لها سوءًا من سوء الآخرة.