محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٨٣ - الخطبة الأولى
الإنتاج الفكريّ السويّ المتقدِّمُ يتطلّب موهبة فكريَّة متميّزة، واستقامة في منهج التفكير، وجهودًا مضاعفةً صابرة، والجهد البدني المكثّف والذي يُعطي نتاجًا كبيرًا لابد له من قوة عضليّة كبيرة.
وكلٌّ منهما وأيُّ تقدّمٍ ونهوض للإنسان بمستواه في أيّ بُعْدٍ من أبعاده، ومجالات حياته لا ينال إلَّا بقوة الإرادة، ولا قوّة لإرادة لمن ضعف أمام نفسه، وفقد الصمود أمام ما تشتهيه وإن خالف دينه وعقله وتشخيصه لما فيه مصلحتُه.
ضعف الإرادة، والخَوَرُ في الهمَّة يقعد بالإنسان عن الحركة وإن آمن بجدواها اللازمة وحتّى لو آمن بضرورتها.
وواجدُ القدرة البدنيّة على مشي مائةِ كيلو متر لا يمشي لواحدٍ في المائة منها حين يخونه العزم، ويعتري إرادته الوهن.
ولو قويَ أحدُنا أمام نفسه انتصارًا لفكره الوازن، ورأيه السديد، وتشخيصه للموقف الصائب من الفعل أو الترك لاحتملت هذه النفس ما كانت تُحدّث به صاحبها من عدم القدرة على ما يتطلّب من معاناة وجهد ومكابرة التّعب. ومن قويَ على مواجهة مشتهيات النفس مما يرى فيه هبوطًا لها، وخسارة شرف ودين، ووقوعًا في المفسدة كان القويّ الشديد أمام ما يريده الآخرون من أي من ألوان الانحراف عن جادّة الحق، وما فيه رضا الله. فكن القويّ في العزيمة أمام نفسك تكن كذلك أمام سوء غيرك.
ولكي تكونَ لأحد النّاس شخصيّةٌ صحيحةٌ تستقيم على الطريق الذي آمن به عن دينٍ حقٍّ، وعقل سليم لابد لها من أن تمتلك القوّة الإراديّة الناهضة بثقل المواجهة لتحدّيات الحياة التي لا تخلو منها حياة إنسان وإن تفاوتت بين النّاس.
وكثير مما يُتعب اليوم يُريح غدًا، وكثير كذلك مما يريح اليوم يُتعب فيما بعده. فلا تستجب أيها الإنسان لكل ما تجد فيه راحة آنيّة قبل أن تفكِّر فيما قد يُعقبه غدًا مما لا