محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٧٢ - الخطبة الأولى
وكفى بالسائرين لذّة ونعيمًا أن يعرفوا أن سيرهم إلى الله الجليل العظيم الجميل الكامل المطلق كان نعيمُ آخرة أو لم يكن، وليس في النفوس العارفة بربّها وزن لنعمة ما يزن نعمة معرفته، ولا لذّةَ صفاء ولا سموًّا تلك اللذّة، ولا قدر كلذّة شعورها برضوانه.
فإن يبتغِ أحد لذّة لا تعدلها لذّة، وأمانًا ليس مثله أمان، واطمئنانًا لا يزنه اطمنان، ورضا لا يساويه رضا فليطلب معرفة الله، وليُخلص في طاعته وعباده يجد ما طلب، ويصل إلى ما ابتغى، وما تطلّعت من تلك الغاية الكبرى له نفسه.
وإنّ لنا جميعًا لتجارب من لذائذ البدن في حياتنا الدنيا، ونعرف تفاوت أصنافها، وكذلك مصاديقها، وإنّ لبعضنا لذائذ نفس تأتيها من حلّ مشكل علمي يتصل بعلم من علوم الدنيا، ومن الشعور بالانتصار واكتشاف الحقيقة من حقائقها القريبة، وهي لذائذ تتفاوت في درجاتها حسب ما عليه وزن المشكل، وأهميته في النفس، ومضايقته لها، ولقلّة من الناس لذائذ روح يوفّرها انكشاف الغموض عن حقيقة كبرى ترتبط بالرؤية الكونية، والعقيدة المتعلّقة بالغيب وأصل الوجود وما بعد الحياة، وتريح النفس من قلق يعتريها، وشك ينتابها في الأمر الذي لا ترى ما يوازيه أهمية من بين كل الأمور، كما يوفّرها عمل صالح، وطاعة من طاعات لها تُوفَّق إليه من قبل الله عز وجل، وتجد الإخلاص منها بمقدار في أدائه.
ولذائذ الروح وهي على تفاوت كذلك مثلها مثل غيرها من لذائذ بدن، ولذائذ من فكر لا يعرفها إلا من عاشها. والذين عرفوا اللذائذ الثلاث، ولا يمكن أن يساووا لذةٍ منها ولذة تأتي من سرور الروح ورضاها إثر تبلور حقيقة من حقائق العقيدة، وطاعات من طاعات النفس لله، وإخلاصها في أدائها.