محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٧١ - الخطبة الأولى
أما بعد فإن الدنيا لم تُخلق لتبقى، ولا لتُفضي إلى عدم محض يصير إليه الإنسان، وينطوي ذكره به إلى الأبد. الدنيا لم تُخلق جزافًا وعبثا، والإنسان فيها لا ليلهو، وإنما خُلق في الدنيا لحكمة ولغاية أكبر منها. كان الإنسان فيها من تقدير العليم الحكيم للجدّ والعمل الصالح الذي يُعدّه أحسن إعداد ليوم بعثه وآخرته، ويصنعه أجود صناعة لينجو بها من أهوال ذلك اليوم العسير، وشدائده العظام، وتُحقّق له سعادة الأبد.
وتلك صناعة لا تُجيدها مناهج الأرض، وذلك إعداد لا طاقة لمنهج بالتكفُّل به إلا منهج السماء المتلقَّى من وحي الله لمن اصطفى من عباده بعلمه وحكمته.
فإن رغب راغب في ذلك فليس له إلا أن يُخضع حياته لمنهج الله، ويلزم الطريق إليه مستعينًا بلطفه، مستشفعًا برحمته، متعلِّقًا بمدده وهداه. ومن لم يفعل فليس له رغبة صادقة فيما طلب، ومن رغب عن ذلك فقد فرّط، وما تفريطه بمتدارك بعد هذه الحياة، وما فرّط في الشيء الذي يهون. ما فرّط فيه إنقاذ نفسه من عذاب دائم، وشقاء مقيم، وما ضيّعه عليها لا يعدله شيء وهو سعادة الأبد، وما أوقع نفسه فيه إنما هو أكبر خسارة.
ومن شكى من التعب على طريق الله، والاستقامة على منهج دينه، وثقُلت عليه تكاليف شريعته عُرِف من حاله أنه لا يقدّر الآخرة بقدرها، ولا يعرف وزن ما يُتّقى منها، وما يُرغب فيها بما وعد الله به الصالحين من عباده وأهل طاعته مما لم تر عين، ولم تسمع أذن من مختلف النِعم الكريمة، والآلاء السابغة، ولذائذ الخير والطُّهر للعقل والقلب والروح والبدن، وحياة لا تبلى، ونعيم بلا نهاية.
فإن من عرف ذلك، وآمن به لم يشكُ تعبًا من السير إلى الله، ولم يثقل عليه تكليف من تكاليف ربّه، ولم يستوحش من قلّة السائرين على الصراط، ولم تُزعجه صعوبة، ولم تتوانَ على هذا الطريق خُطاه.