محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣١٧ - الخطبة الأولى
وإذا كان فاقد البصيرة لا يهتدي سبيلَه، ولا يُصيب هدفه، ولا ينفع نفسه، فكيف يهتدي به الآخرون، ويُصيبون رشدهم، ويبلغون به الهدف الصحيح، ويجدون نفعهم لو اتّبعوه، واتخذوا منه مرشدًا وقدوة وقائدًا وإمامًا؟!
لَبِئْسَ ما صنعت جماعة أو أمة بنفسها أن تُسلِّم أمرها لمن لا بصيرة له في دنيا وهي تطلبها، أو في دين وهي تهتم بأمر الدّين، وتُقدِّره، فإنّ فاقد الشيء لا يُعطيه، وطالبه منه شديدُ السَّفَه.
وما أوتيت جماعة أو أمة الحكمة لو قدَّمت مرجوحًا على راجح في أيّ موقع من مواقع تدبير شؤونها.
وكل ذي بصيرة في أمر من الأمور هو أرجح لتولّي هذا الأمر ممن هو أقل منه بصيرة، على أن ما خسّر الدّين لا يُساوي ربحه الدنيويّ- وإن عَظُم- مما سلب شيئًا.
والبصيرة في أصلها وكما سبق ليست من صناعة الإنسان، وإنما هي نعمة من الله منَّ بها على عباده.
والمنشأ الأول لها ومبدؤها هداية الفطرة، وإراءة الله لها طريق فجورها وتقواها، وقوة التمييز بين الحق والباطل في ما هي الخطوط العامة لهما وما هو الخير والشر، وما ينتجه اتباع الحقّ والأخذ بالخير، والامتناع عن الباطل، والمجافاة للشر.
وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها، فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها ١. فهذه المعرفة والإلهام من الله للنفس أولُ البصيرة، ومنطلقها، وما تعود إليه، والأخذ بما يدلُّ عليه ذلك التمييز، وما يجب أن تؤدّي إليه تلك المعرفة والإراءَةُ، هو ما يعني الرُّشدَ والصواب في الاختيار.
عن أبي بصير عن الإمام الصادق عليه السلام:" قال سألته عن قوله وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها قال: خلقها وصوّرها، وقوله فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها قال: أي عرّفها وألهمها، ثم خيّرها فاختارت" ٢.