محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٠٤ - الخطبة الأولى
والإنسان المؤمن يطلب البصيرة، والإسلام يأخذ بخطاه على طريق طلبه ليحصل على محدود منها يتزيَّنُ به من عطاء ربّه، ويتقرّب إليه به، ويكون على تشبُّهٍ ضعيف بصفة من صفات الكامل المطلق الثابتة له.
وللإنسان عِلْمٌ حِسيّ يقف به عند حدود عالم الحس وعطاءاته الحسية كذلك، وله علم أعمق وأبعد وأشرف وأسمى وأنفع وهو ما تعلَّق بآخرته.
والمقتصر على العلم الحسّي والانتفاع بعطاءاته الحسية كأنه لا علم له، ولا خير في ما أكسبه إياه ذلك العلم من منافع حسية مترتبة عليه إذا كان فاقدًا لعلم الآخرة. اقرأ معي قوله تبارك وتعالى من كتابه العزيز: وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ، يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ ٨.
فبرغم أنهم يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا ويقفون على قوانين حسية من قوانينها التي تتيح لهم أن يطوّروا من أوضاعهم المادية، وحياتهم الحسّية إلا أنهم وهم غافلون عن الآخرة تَعُدّهم الآية الأولى أنهم ممن لا يعلمون. إنَّ علمهم هذا بالدنيا وقوانينها ليس بشيء وهم في جهل من الآخرة ٩.
ولنقرأ في هذا السياق هذه الكلمة عن الإمام علي عليه السلام:" ما كلّ ذي قلب بلبيب، ولا كل ذي سمع بسميع، ولا كلّ ناظر ببصير" ١٠.
هذه طائفة من الناس وكأنها بلا ألباب ولا أسماع ولا بصائر وإنْ كان منها من له معرفة جمّة بظاهر الدنيا وعالم الحس في حدود ما هو حسي، والعطاءات الحسية والمنافع الدنيوية، وله سمع مرهف في مجال مصالح الدّنيا ومكاسبها، وله بصيرة المنافسة عليها، وجَمْع ما يمكن من زينتها ومتعتها. وهي بلا لُبٍّ ولا سمع، ولا بصيرة لغفلتها عن الآخرة، أو إعراضها عنها.